الأثنين  
1440/12/25
هـ  
 الموافق:    2019/08/26م    
 
أحكام التبرك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة عن أحكام التبرك ..

التبرك: تفَعّل من البركة ، وهي كثرة الخير وثبوته.

اعلم رحمك الله أن التبرك على قسمين :
القسم الأول : تبرك مشروع وله أنواع منها :

1 ـ التبرك بالأقوال والأفعال والهيئات :
ـ بالأقوال : كقراءة القرآن فمن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات ، وأنه شفاء للناس وهدى ورحمة .
ـ بالأفعال : طلب العلم وتعلمه ؛ فمن بركته : الرفعة في الدنيا والآخرة .
ـ الهيئات : الاجتماع على الطعام ، يقول - صلى الله عليه وسلم - : " اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله عليه ، يباركْ لكم فيه " رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/717) .

2 ـ التبرك بالأمكنة : هناك أمكنة معينة جعل الله فيها البركة إذا تحقق في العمل الإخلاص والمتابعة .
فمن هذه الأمكنة :

ـ المساجد : وأعظمها المساجد الثلاثة ـ الحرم المكي ، والمدني ، والأقصى ـ والتماس البركة فيها إنما يكون بأداء الصلاة فيها ، والاعتكاف ، وحضور حلق العلم ، ولا يكون بالتمسح بجدرانها أو ترابها مما هو ممنوع .

ـ مكة والمدينة والشام : قال - صلى الله عليه وسلم - : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا إبراهيم لأهل مكة " رواه مسلم.

وقال - صلى الله عليه وسلم - : " طوبى لأهل الشام . فقلنا : لأي شيء ذاك ؟ فقال : لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه " رواه أحمد والحاكم وصححه على شرطهما .
فمن سكن مكة والمدينة طلبا لما فيها من البركة التي أخبر عنها النبي r فقد وفق إلى خير كثير ، بخلاف ما لو طلب التبرك بالتمسح بترابها وجدرانها وأشجارها وغير ذلك مما لم يرد به الشرع، فإنه بدعة.

ـ المشاعر المقدسة : كعرفة ومزدلفة ومنى ؛ فهي أماكن مباركة لما في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم بالحصول فيها في الأوقات المشروعة من غفران الذنوب وحصول الأجر الكبير .

3 ـ التبرك بالأزمنة : هناك أزمنة خصها الشرع بزيادة فضل وبركة ، مثل :
ـ شهر رمضان : لما فيه من صيامه من غفران الذنوب ، وزيادة رزق المؤمن وغير ذلك .
ـ ليلة القدر : والتي هي خير من ألف شهر .
ـ عشر من ذي الحجة .
ـ يوم الجمعة .
ـ الثلث الأخير من الليل .

4 ـ التبرك بالأطعمة : من الأطعمة التي تلتمس فيها البركة :

ـ زيت الزيتون فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كلوا الزيت وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة " رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

ـ اللبن : لحديث عائشة : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي بلبن قال : كم في البيت بركة أو بركتين " رواه أحمد .

ـ الحبة السوداء : فهي شفاء من كل داء إلا السام كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ـ ماء زمزم : فإنها مباركة ، إنها طعام طعم .

5 ـ التبرك بالحيوانات : من الحيوانات التي تلتمس فيها البركة :
ـ الخيل : فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " رواه البخاري .

6 ـ التبرك بالأشجار : من الأشجار التي تلتمس فيها البركة :
ـ النخل : فقد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : " إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم " رواه البخاري .

7 ـ التبرك بالأنبياء - عليهم السلام - : كالتبرك بعرقهم أو شعرهم أو ريقهم أو التمسح بهم ، فهذا جائز لأن الله تعالى جعل أجسادهم مباركة وثبت أن الصحابة فعلوه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيأتي الكلام عليه .
فهذه الأشياء تلتمس منها البركة حسب ما جاء عن الشارع ، ولا يتعدى بها الوجه المشروع والمباح .

القسم الثاني : التبرك الباطل .
وقبل الخوض في أنواعه لابد أن نعرف حكم التبرك بهذه الأشياء وهي على قسمين :

القسم الأول : شرك أكبر : وذلك إذا طلب بركتها معتقدا أن هذا الشجر أو الحجر أو القبر إذا تمسح به أو تمرغ عليه أو التصق به يتوسط له عند الله فهذا اتخذه إله مع الله تعالى .

القسم الثاني : شرك أصغر : إذا كان هذا التبرك بنثر التراب عليه أو إلصاق الجسم بذلك أو التبرك بعين ونحوها جعله سببا لحصول البركة بدون اعتقاد أنه يوصل إلى الله ، كمن يلبس التميمة ونحوها .

1 ـ التبرك بالأمكنة المباركة على غير ما ورد في الشرع ؛ كتقبيل أبواب المساجد ، والتمسح بأعتابها والاستشفاء برتبتها ، ومثل ذلك : التمسح بجدران الكعبة ، أو مقام إبراهيم وغير ذلك .
2 ـ ومن ذلك أيضا الذهاب إلى القبور لا لقصد الزيارة ، وإنما لقصد الدعاء عندها لأجل بركتها واعتقاد أن الدعاء عندها أفضل .

3 ـ ومن ذلك : التبرك بالأماكن التي جلس فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - كغار حراء أو ثور أو موضع مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو موضع بيعة العقبة أو نحوها.
4 ـ ومن ذلك التبرك بالأماكن التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - اتفاقا كأن يكون في سفر ونحو ذلك ، ولم يقصد تخصيصها بالصلاة فيها ؛ فإنه لا يشرع تتبعها والتقرب إلى الله – تعالى - بالصلاة فيها ؛ لأنها لم تكن مقصودة لذاتها .

روى ابن سعد في الطبقات (2/100) عن نافع ؛ قال: كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان ، فبصلون عندها ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فأوعدهم فيها وأمر بقطعها " .

5 ـ ومن ذلك : تخصيص أزمنة معينة بنوع من التعظيم والاحتفالات والعبادات ؛ كيوم مولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ويوم الإسراء والمعراج ، ويوم الهجرة ، ويوم بدر ، وفتح مكة ، وغير ذلك ؛ فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع .

6 ـ ومن ذلك : التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها ؛ فيصلون عندها أو يأخذون ورقها أو يحتفظون بأحجار من مكة أو المدينة أو غيرهما أو شيء من أجزاء المساجد ، والاحتفاظ بهذه الأشياء للتبرك فكل هذا من التبرك الممنوع . كما في حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - الذي ذكره المصنف .

7 ـ ومن ذلك : التبرك بذوات الصالحين وآثارهم ؛ فلم يؤثر عن أحد من الناس أنه تبرك بوضوء أبي بكر أو عرقه أو ثيابه أو ريقه أو غير ذلك ، ولا عمر ولا عثمان ولا علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ، وإنما كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتبركون بوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وجسمه وعرقه وريقه وشعره وملابسه ، وهذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يقاس عليه أحد من الصالحين ، ولو كانوا الخلفاء الراشدين أو العشرة المبشرين ، فضلا عن غيرهم ؛ لأن التبرك عبادة مبناها على التوقيف والاتباع .

أسباب التبرك الباطل :
1 ـ الجهل بالدين : يقول ابن الجوزي : ( الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل ، فهو يدخل منه على الجهال بأمان ) [ تلبيس إبليس: 130 ] وقال القرافي المالكي : ( أصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استعطت والله تعالى هو المعين على الخير كله ) [ الفروق: 4/265 ] .

2 ـ الغلو في التعظيم :كالغلو في الصالحين أو الأماكن ونحوها ، وهذا يكثر عند فرق الروافض والصوفية المبتدعة ، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " رواه النسائي، يقول البوصيري في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم

3 ـ التشبه بالكفار : فمن ذلك إحداث الاحتفال بالموالد والأعياد ، وبناء المساجد على القبور والتبرك بها ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سنن الذين من قبلكم ، شبرا بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم ، قلنا يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن ؟ " رواه البخاري ومسلم .

 
4608
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر