الثلاثاء  
1438/07/29
هـ  
 الموافق:    2017/04/25م    
 
مختارات علمية
   
مسائل في الاعتقاد
   
البدع.. تاريخ ظهورها وضوابطها
البدع.. تاريخ ظهورها وضوابطها

 

يمكن القول أن إرهاصات البدع وبوادر أصول الفرق قد ظهرت في عصر النبوة، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليٌ رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بنى كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بنى نبهان، قال فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم". فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتىء الجبين محلوق الرأس فقال: اتق الله يا محمد.

قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فمن يطع الله إن عصيته؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟! قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجلٌ من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن من ضئضئ هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ، قال الإمام النووي رحمه الله : أي قتلاً عاماً مستأصلاً كما قال تعالى:"فهل ترى لهم من باقية" ، ثم مضى العهد النبوي ، وظلت كلمة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مجتمعة على الحق، إلى أن وقعت الفتنة كما ذكر محمد بن سيرين رحمه الله تعالى حيث قال:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" .

وذلك حين وقع أول اختلاف في هذه الأمة وهو بزوغ الخوارج وخلافهم للصحابة رضوان الله عليهم وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء" ، قلت: تأمل كيف قال :" يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها " أي أن سبيل أهل البدع مفارق لسبيل أهل الحق، ووجود أهل البدع والأهواء بين ظهراني أهل السنة والحق ليس من قبيل الانتساب إليهم في شيء.

وما أجمل قول قتادة رحمه الله: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقته وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم" ، فالقضية قضية منهج لا قضية تواجد حسي بين ظهراني المسلمين، فتأمل كيف ظهرت بدعة الخوارج حيث قالوا بكفر العصاة من الموحدين واستباحوا بذلك دماء المسلمين مخالفين بذلك إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم ظهر بعد ذلك قول المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، وظهر بعدئذٍ قول المرجئة بأن الفاسق مؤمن كامل الإيمان .

قلت: وفي مقابل بدعة الخوارج الذي كفّروا علياً رضي الله عنه ظهرت نزعة التشيع الغالي، وتعددت أصول البدعة فظهرت بالإضافة إلى هذه الفرقة العملية البدع العقدية حيث ظهرت أولى هذه البدع في مقولة القدرية في أول إمارة المروانية والتي أنكرها كبار الصحابة كعبد الله بن عمر وابن عباس رضي الله عن الجميع ، فعن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال :"فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر".

قلت: وهنا إشكال حيث ذكر أهل العلم في بعض المواضع أن بدعة الخوارج هي أول الفتن ظهوراً في الأمة، في حين ذكر البعض أن مقولة القدرية هي أول بدعة، والجمع بينهما سهل بإذن الله إذ أن الأولية نسبية، فبدعة الخوارج كانت أول افتراق عملي في الأمة أما بدعة القدرية فكانت أول بدعة عقدية وإن كان مرد البدع جميعاً إلى العقيدة، والله أعلم.

ولقد قيض الله تعالى من علماء وجهابذة هذه الأمة من وقف لهذه البدع بالمرصاد بدءً من ابن عمر وباقي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ومروراً بالتابعين فمن بعدهم من حملة لواء السنة، وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي وغيرهم كثير بعدهم، فالحمد لله الذي عقد لواء السنة وقيض لرفعه رجالاً أفذاذاً هم الظاهرين على الحق بإذن الله إلى يوم الدين.

الضابط الأول: البدعة المذمومة يقصد بها الغلو في التعبد لله تعالى:
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى :"قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر" ، قلت: ومن هذا قوله تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" ، فهذا الإخبار حقيقته أمرٌ بالعبادة، ويأبى الشيطان إلا أن يكون له في هذا الأمر مهالك ومصارع ينصب لبني آدم شراكها، فإما أن يغويه إلى المعاصي فيقع في مهالك التقصير.

وإما أن يدفعه إلى الغلو والاختراع والتقول على الله تعالى فيما يزين كونه عبادة وحقيقته مهلكة العبد، ذلك أن الله تعالى جعل العبادة موقوفة على أمر الله تعالى تأمل معي قول الله عز وجل:" ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعَوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثيرٌ منهم فاسقون".

فهذا إنكار من الله تعالى على النصارى في اختراع عبادة لم يكتبها أي لم يفرضها الله تعالى عليهم، والاستثناء في قوله تعالى (إلا ابتغاء رضوان الله ) استثناء منقطع، وهو يبين مقصود النصارى من هذه الطريقة المخترعة وهو بزعمهم طلب رضوان الله تعالى، قال ابن كثير رحمه الله:"وقوله تعالى ( إلا ابتغاء رضوان الله) فيه قولان؛ أحدهما أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة، والآخر ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله" .

ولقد أشار إلى هذا الضابط الإمام الشاطبي في تعريفه المتقدم وذلك في قوله:" يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" ، وبين رحمه الله أن هذا القيد يحدد البدعة بما يقصد به التعبد لله تعالى على وجه الغلو، قال رحمه الله :" وهو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها" ، والنكتة في ذم هذا السلوك أن المبتدع تجاوز بمحض رأيه وهواه حد الشرع في العبادة، فلم يره كافياً شافياً وارتضى أن ينصب نفسه وهواه إلهاً يشرع أصل العبادة أو يطلق وصفها، ولقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة ونقول السلف على تحريم ذلك والمنع منه، وفيما يلي طائفة من هذه الأدلة :

1- قوله تعالى:" أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " ، قال ابن جرير رحمه الله تعالى في تأويل الآية :"أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه" ، قلت: فهذا صريح في إنكار البدعة التي تضاهي الدين.

2- قوله تعالى:" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إلهٌ واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً" ، روى الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله بسنده عن قتادة قال:" لا تغلوا في دينكم ، يقول لا تبتدعوا".

وذكر وجهاً ثانياً بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول:" في قوله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم : الغلو فراق الحق" ، قلت: فهذه الآية تنكر بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ على النصارى غلوهم في دينهم حيث جاوزوا بعيسى عليه السلام من مرتبة النبوة إلى مرتبة الألوهية وما قصدهم من ذلك – بزعمهم – إلا عبادة الله عز وجل خابوا وخسروا، والشاهد هنا تحرير ضابط الغلو في التعبد لله تعالى وهو واضحٌ من جهة نسبة الغلو إلى الدين في هذه الآية وإنكار ذلك عليهم وبيان أنه فراق للحق.

3- حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته القط لي حصى، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثم قال:" يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ، فهذا صريح في النهي عن الغلو في الدين والمبالغة في التعبد لله تعالى بما لم يشرعه أو يأذن به الله تعالى.

4- حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" ، فهذا صريح في عدم جواز الإحداث في الدين، وقوله (أمرنا) أي ديننا.

5- عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى :"والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" ، . قلت: والشاهد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها).

فهذا أصل في أن العبادة – وهي هنا السجود – توقيفية مطلقاً ولا يجوز إحداثها إلا بأمر من الشارع، وهذا ما يعبر عنه العلماء بقولهم : الأصل في العبادة الحظر. قلت: ويدخل في هذا كل سلوك يلتزمه العبد تجاه ربه تعبداً وتألهاً له، فإنه لا بد وأن يكون بأمر من الله تعالى وإلا فهو رد كما تقدم في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

فهذه الأدلة صريحة في أن طريقة التعبد لله تعالى تفتقر إلى إذن الله عز وجل، وإنما بلغنا هذا الإذن عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أراد لعبادته القبول فلا مناص له عن تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى:" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" ، قال ابن كثير رحمه الله :" هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ولهذا قال : " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " .

وفائدة هذا الضابط في تحرير مفهوم البدعة التمييز بينها وبين ما أحدث بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم مما لا يراد به التعبد بذاته، قال الإمام الشاطبي :"وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات" ، قلت: ومثال هذا وسائل الركوب والاتصال وكل ما دخل على حياة الناس من وسائل الراحة التي سخرها الله تعالى لنا، بل إن هذا القيد يُخرج من البدعة أيضاً أموراً حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقصد التعبد لله بذاتها، وإنما هي من الوسائل التي يوجد في أصول الشرع ما يدل على مشروعية اتخاذها لتحقيق مقصود الشرع، وذلك من باب أن الوسائل لها حكم المقاصد وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فإذا دل الشرع على مقصد مشروع – كتسوية الصف في الصلاة – فلا مانع من اتخاذ وسيلة مباحة لتحقيق ذلك، طالما لم يرد التعبد بهذه الوسيلة وإن لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك الخطوط التي ترسم في أرض المسجد فإن هذه لم تكن معروفة عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإنها لا تعتبر بدعة لأننا لا نتعبد لله بها، وإنما نتعبد لله بتسوية الصف ونتخذ هذه الخطوط وسيلة لضبط ذلك، وكذلك ركوب السيارة إلى المسجد لا يراد منه التعبد بركوب السيارة، وإنما يتعبد لله بالسعي إلى المسجد وتتخذ السيارة وسيلة لتحقيق هذا المقصد المشروع، ومن ذلك أيضاً علوم النحو والإعراب ونقط المصحف وإعجام الحروف، فهي وسائل لحفظ القرآن الكريم ولكننا لا نتعبد لله تعالى بذاتها وإنما نتعبد لله بالمقصد الذي تبلغنا إياه.

إن تحرير هذا الضابط مفيد جداً في التمييز ما بين البدع المذمومة والمستحدثات غير المذمومة، ويقطع دابر التشويش الذي يحدثه البعض حين يلبسون على الناس، فيوهمونهم أن دعاة الحق ممن يحاربون البدعة يريدون أن يعودوا بالناس إلى عصر الدواب والحمير والبغال، وهذا التشويش إرجافٌ وتضليلٌ بلا ريب، فدعاة الحق في كل زمان ومكان – نسأل الله أن يجعلنا منهم - ليس لهم همٌ سوى حمل الناس على متابعة هدي النبوة، ثم ليستمتعوا بما أباحه وسخره الله تعالى لهم في الكون ما شاؤوا، وهل كان ضلال أهل الكتاب إلا عندما فرطوا في هذه المتابعة فأحدثوا في دينهم وحرفوا كتاب ربهم حتى انتهى بهم الحال إلى عبادة العباد ومخالفة صراط رب العباد.

الضابط الثاني: البدعة تكون في أصل السلوك أو في صفته:
وهذا القيد يبين لنا ماهية البدعة سواء أكانت قولاً أم فعلاً، فالبدعة قد تكون في إحداث أمرٍ لا أصل له في الدين مطلقاً، كثالوث النصارى الذي لا أصل له في الدين البتة، أو في إحداث صفةٍ على أمر له أصلٌ في الدين، كطواف مشركي العرب بالبيت عراة لقولهم : لا نطوف بثياب عصينا الله فيها ، فالطواف بالبيت له أصلٌ في ملة إبراهيم عليه السلام، ولكن المشركين أحدثوا صفاتٍ في بقايا الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام بمحض عقولهم وأهوائهم.

وهذا الضابط مفيد جداً في تحرير الأعمال الموافقة للشرع، ذلك أن قبول العبادة منوط بأمرين هما تجريد القصد لله تعالى وتجريد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فمتى اختل واحد من هذين الشرطين اختل العمل ورُد نسأل الله تعالى العافية من ذلك، ولئن كان حد البدعة واضحاً في الأمر المستحدث الذي لا أصل له في الدين، فإنه قد يلتبس على البعض بالنسبة لاستحداث صفة في العبادة التي لها أصلٌ في الدين، ولقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى على جملة من هذه الصفات التي تضاد الشرع في معرض تعليقه على قيد مضاهاة الشريعة الوارد في تعريف البدعة فذكر أموراً تضاد بها البدعة الطريقة الشرعية منها:

1- وضع الحدود للعبادة: ومثال ذلك أن ينذر المكلف أن يصوم قائمأً، أو أن يقتصر على صنف من المأكل والمشرب، أو أن يلتزم صنفاً من الملبس ونحوه.

2- التزام كيفيات وهيئات معينة: ومثال ذلك الذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، والرقص والهز مع الذكر، ونحوه.

3- التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يدل دليل الشرع على تفضيل أو تخصيص ذلك الوقت المعين : ومثال ذلك تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام وليلته بالقيام.

فهذه صفات أدخلت على عبادات دل دليل الشرع على شرعيتها أعني العبادات، ولكن لم يدل على شرعية هذه الصفة المستحدثة.

وهذا ضابطٌ عظيم في تمييز كثير من البدع، وإن كثيراً من اللبس على العوام يحدث بسبب غياب هذا الضابط، فعلى سبيل المثال تجد كثيراً من المسلمين يستشكلون الإنكار على اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، لأنهم يفعلون ذلك بدافع محبته صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم من الدين بل هي من الإيمان، ولكن كيفية التعبد لله تعالى بهذا الحب لا بد من أن تكون وفق طريقة الشرع، فالإنكار لا ينصب على التعبير عن حب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ينصب على طريقة التعبير هذه التي تمثل كيفية في هذه العبادة لم يأذن بها الشرع ولم يدل عليها.

أما أدلة الشرع على عدم مشروعية العمل المتلبس بهذا الضابط فأذكر منها ما يلي:
1- قال الله تعالى:" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" ، فهذا الدين كاملٌ في تشريعه وأحكامه وفروضه وسننه، ومن أتى بشيءٍ مُحدَثٍ ينسبه إلى الدين فقد نسب النقص إلى هذا الدين، وطعن في شهادة الله عز وحل على كمال الدين والعياذ بالله، بل ونسب الخيانة إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول:"اليوم أكملت لكم دينكم" فما لم يكن يومئذِ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. اهـ.

2- قال الله تعالى :" وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" ، قال الإمام الشاطبي رحمه الله :" فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة، والسُبُل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع، " ، قلت: وتأمل كيف جاء وصف الصراط المستقيم مفرداً في حين جاءت السبل المضاهية لطريق الشريعة بالجمع.

وذلك بسبب تعدد الأهواء في مقابل طريق الحق. ولقد أجاد الإمام الشاطبي رحمه الله حيث نبه إلى أن هذه السبل الواردة في الآية لا يقصد بها المعاصي لأنها – أي المعاصي – لم توضع لمضاهاة التشريع، أي ليس أحد من الناس يقترف المعصية وهو يرى أنها معصية ويزعم أنه يتقرب إلى الله تعالى بذلك، أما السبل والطرق والكيفيات المستحدثة فإنهم يقصدون بها التعبد لله تعالى، وهذه قد تشمل في بعض الأحيان أفعالاً هي بحد ذاتها من المعاصي ولكن الذين يمارسونها على سبيل التعبد لا يرون أنها معصية في هذا السياق.

3- عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا أبو إسرائيل؛ نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" مُره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" ، والشاهد هنا أن هذا الرجل قد أدخل على عبادة الصوم المشروعة صفةً غير مشروعة بقصد التعبد لله تعالى – بدليل أنه نذر ذلك والنذر لا يكون إلا للعبادة – فألغى النبي صلى الله عليه وسلم الصفة غير المشروعة التي أدخلها الرجل على العبادة، وهي أن يصوم واقفاً في الشمس من غير كلام، وهذا صريح في أن إدخال صفة على العبادة التي دل الشرع على أصلها يعتبر بدعة مذمومةً وأنه يعود على العبادة بالبطلان ما لم يقلع عن هذه الصفة.

وهذا ينطبق على كل العبادات المشروعة في أصلها كالتهجد مثلاً، فإنه نفلٌ مطلق فلا يصح تقييده بزمانٍ أو مكانٍ يعتقد فضله بدون دليل شرعي، لأن هذا التقييد صفة زائدة على العبادة، وقد رد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلو اعتقد أن التهجد ليلة كل أربعاء له فضلٌ زائدٌ فهذه صفة بدعية لم يرد بها الشرع، وهكذا.

هذه بعض الأدلة التي تبين حقيقة هذا الضابط وأصله في الشرع، وهو ضابط مفيد جداً في تمييز كثير من البدع التي تشكل على الناس لأن لها أصل في الشرع ولكن بغير الصفة المقحمة فيها، ولعل التمسك بصفة العبادة الشرعية دون غلو وابتداع هو مقصود عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله:"اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة" ، ويفسره أيضاً قول حذيفة رضي الله عنه وكان مر بحلقة في المسجد :" اتقوا الله معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه شمالاً ويميناً ضللتم ضلالاً بعيداً أو قال مبيناً" ، قلت: وواضح من سياق الحال أن التنبيه والإنكار منصبٌ على صفة العبادة وإلا فإن أصل قراءة القرآن وتدارسه قد دل عليه دليل الشرع، فتأمل.

الضابط الثالث : البدعة تكون فعلية أو تركية:
وهذا الضابط الثالث يراد منه بيان أن البدعة لا تقتصر على اقتراف ما ليس بمشروع، بل قد تكون البدعة بترك ما هو مشروع، إذا كان مقصود هذا الترك التعبد لله تعالى بذلك، ولقد نبه الإمام الشاطبي رحمه الله على هذا حيث أشار في تعليقه على تعريف البدعة إلى أنه يدخل في عموم لفظها البدعة التركية إضافة إلى البدعة غير التركية، قال رحمه الله:" فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم" .

ولكن مسألة الترك هذه بحاجة إلى تحرير، فليس كل ترك يعتبر بدعة، وإنما ينظر في هذا الذي تركه المكلف هل تركه لسبب معتبر شرعاً أو لا؟.

فإن كان سبب الترك معتبر شرعاً – كأن يترك طعاماً يضره في صحته- فهذا لا حرج فيه من جهة حفظ النفس، وهو مقصد معتبر شرعاً، أو تركه خشية الوقوع في المحذور كترك المتشابه استبراءً لدينه وعرضه فهذا لا حرج فيه من جهة حفظ الدين، وهو بلا شك مقصدٌ معتبر شرعاً، أما إن كان الترك بغير سبب معتبر، فلا يخلو من أن يكون مجرد عبث لا يقصد به التعبد أو يقصد به التعبد؛ أما الأول فلا يعتبر بدعة لانخرام الضابط الأول ولكن يحترز من اعتقاد تحريم ما أحل الله، وأما الثاني فهو المقصود من وصف البدعة هنا وهو التعبد لله تعالى بترك ما أباحه الله تعالى، كأن يتعبد لله تعالى بترك لبس القطن أو بترك أكل الفاكهة، وإليك الدليل على ذلك:

1- قوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" ، وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود قال :كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"" ، فهذا نصٌ صريحٌ في المنع من ترك المباحات مبالغةً في التعبد لله تعالى، قال إمام المفسرين ابن جرير في تأويل هذه الآية:" لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، يعني بالطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إياها كالذي فعله القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم وساح في الأرض بعضهم، يقول تعالى ذكره فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم" .

2- قال الله تعالى منكراً على المشركين :"وقالوا هذه أنعام وحرثٌ حِجرٌ لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعامٌ حُرِّمت ظهورها وأنعامٌ لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون" ، قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى ( افتراءً عليه):" أي على الله وكذباً منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم" ، قلت: والآيات في القرآن التي تنكر على المشركين والكفار مثل هذه التحريمات كثيرة وكلها جاءت بلغة الإنكار، فلا حرام إلا ما حرم الله ولا حلال إلا ما أحل الله، ومن تعبد لله تعالى بشيء من التركيات ينسبه للدين بغير دليل أو إذن من الشرع فقد أعظم الفرية على الله، وبدهي أن تعبده هذا باطل وأن بدعته هذه مردودة.

3- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" .

فالنبي صلى الله عليه وسلم علل تعنت هؤلاء في العبادة بتوهم كونه دليلاً على التقوى والخشية لله تعالى، فبين لهم وللأمة صلوات الله وسلامه عليه أن هذا التلازم موهومٌ وباطل، وأن حقيقة الخشية والتقوى هي الوقوف عند أمر الله عز وجل بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو أتقى هذه الأمة وأخشاها لله، ومع ذلك لم يترك شيئاً مما أباحه الله تعالى معتقداً القربة في ذلك، ولهذا فإن العلامة الحقيقية لتقوى الله تعالى وخشيته هي تجريد متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الأسوة الحسنة الكفيلة بالوقوف عند حد الله وعدم تجاوز مقام العبودية بفعل أو ترك لم يأذن به الله تعالى.

والحقيقة أن الأدلة في هذا المقام كثيرة، ويكفي ما قدمنا لبيان المقصود بهذا الضابط وهو أن البدعة لا تقتصر على تعاطي الأمور المستحدثة في الدين بالفعل، وإنما تشمل استحداث ترك مباحات طيبات بدافع توهم التقرب إلى الله تعالى بذلك، وهو ضابط مهم يقي المسلم من الوقوع في جملة من البدع قد لا يتنبه لها فيقع في الحرج في دينه ويفارق منهج نبينا صلى الله عليه وسلم.

الضابط الرابع: البدعة ما توافر دافعه وارتفع مانعه زمن النبوة:
لقد أشار الإمام الشاطبي في كتابه النفيس الموافقات إلى أمر دقيق جداً فيما يتعلق بسكوت الشارع عن تشريع أمرٍ ما، أو بيان شرعية العمل به مع قيام المعنى المقتضي له، حيث نبه إلى أن سكوت الشارع عن الحكم يكون على ضربين اثنين؛ أحدهما أن يسكت الشرع عن الحكم لأن الداعي إليه والمقتضي له لم يوجد زمن النبوة، وإنما حدثت النازلة المقتضية لهذا الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا القسم تجري فروعه على أصول الشرع المقررة، فيعرف الحكم من جهتها بالنظر الصحيح والقياس ونحوه، والضرب الثاني هو ما سكت الشارع عنه مع وجود المقتضي له زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقرر له حكماً زائداً على ما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم، فهذا الضرب من السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص، لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لتشريع الحكم العملي موجوداً ثم لم يشرع الحكم دلالةً عليه، كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك – أي زمن النبوة – بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع.

وهذا الذي أشار إليه الإمام الشاطبي في غاية الحسن، ولعله يحتاج إلى تحرير بسيط فأقول والله المستعان إن هذه الشريعة شريعة كاملة تفي حاجة الناس إلى آخر الزمان، وإن النوازل المقتضية لحكم الشرع عليها لا تنتهي، فمنها ما قد حدث زمن الوحي ومنها ما يحدث بعد زمن الوحي، فأما ما يحدث بعد الزمن الوحي ولا سابق له في زمن الوحي فلا يخرج عن كونه جزئية أو فرعاً له أصلٌ في الشرع مقررٌ بحيث يمكن قياسه أو تخريجه عليه، ودليل ذلك نصوص الشرع الناطقة بكمال التشريع وبلزومه للناس إلى قيام الساعة، وهذا أمر مستفيض بل معلوم من الدين بالضرورة، وأما ما حدث زمن الوحي فهذا قد حكم الشرع عليه إما صراحةً أو ضمناً، فأما صراحة فببيان الحكم عليه كما حدث في مسألة الأسرى يوم بدر مثلاً، وأما ضمناً فبالسكوت عنه مع وجود ما يقتضيه وهذا السكوت على درجات هي:

1- إما أن يكون السكوت عن حدٍ زائد على ما قرره الشرع: ومثال ذلك التشريعات العملية المتعلقة بحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن المقتضي الشرعي والعقلي لحب الرسول صلى الله عليه وسلم موجود زمن الوحي، وقد أقر الشرع التشريعات العملية المتعلقة بالدلالة على هذا الحب كتفضيله صلى الله عليه وسلم على النفس وكالصلاة عليه وكعدم رفع الصوت بحضرته وعدم مناداته باسمه مجرداً، وسكت عما سوى ذلك كالاحتفال بيوم مولده ونهى عن صراحة عن بعض ذلك كالسجود له، فدل هذا السكوت على عدم مشروعية هذا الحد الزائد، لأنه لو كان مشروعاً لما سكت عنه الشارع كما أنه لم يسكت عن الصلاة عليه وعدم رفع الصوت بين يديه ونحو ذلك.

2- وإما أن يكون السكوت عن الأمر بالكلية ولربما كان الداعي والمقتضي له موجوداً ولكن ثمة موانع من تشريع العمل، ومثال ذلك جمع المصحف فإن الداعي له هو الحفظ وهذا الداعي لا شك أنه موجود زمن النبوة، ولكن منع من تقرير حكمه استمرار الوحي، فلما انقطع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع المانع وبقي الدافع موجوداً، واحتاج الناس لأمر فوق ما كان مشروعاً زمن النبوة من حفظ وكتابة مفرقين في الصدور والسطور، فكان الأمر بجمع المصحف نوعاً من المصلحة المرسلة، ولا لعلاقة له بالبدعة البتة، وقل مثل هذا فيما أحدثه المسلمون من دواوين ووزارات وأنظمة للدولة ونحو ذلك.

ولعل البعض يقول بعد هذا كله ، وما الدليل على كل ما تقدم؟ والجواب أن الدليل قد تقدم حيث أشرنا إلى أن كمال الشريعة يقتضي هذا الذي قرره الإمام الشاطبي ، فلقد قال الله تعالى:" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" ، فكون الشريعة كاملة يستلزم ما ذكرناه من أن كل الأحكام التي يحتاجها المكلفون قد بينها الشرع إما صراحةً أو ضمناً ، وإما بذكر آحادها أو بتقرير الأصول التي تتفرع عليها هذه الآحاد والجزئيات، ويشهد لهذا أيضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ما بقي شيء يُقرِّب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم" .

وذكره المنذري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه" ، قلت: وهذا يصلح أن يكون دليلاً عاماً على ما ذكرنا، ويدل عليه كلام الشاطبي رحمه الله حيث قال:" ودل على أن وجود المعنى المقتضي مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع عدم الزيادة على ما كان موجوداً قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالفٌ لقصد الشارع فبطل" .

فإذا نظرنا إلى الداعي للتشريع عموماً وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح به في الحديث ألا وهو القرب من الجنة والبعد من النار، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما حكم به الشرع من أحكام عملية تدل على ما يقتضيه هذا الدافع، وعليه فإن كل ما يأتي به أحد مما لم يَرِد عن طريق الشرع فإنه لا يحقق مقصود الشرع ولا يدل على مقتضاه، وإن من أتى ببدعة يزعم أنه تقرب إلى الله تعالى فقد كذَّب محمداً صلى الله عليه وسلم في قوله إنه بين لنا كل ما يقرب من الجنة ويبعد من النار حاشاه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، والذي يطالب بدليل بعد هذا فإنما هو مُكابرٌ جَحود لا شأن لنا به.

بهذا تجتمع لنا أربعة ضوابط تبين لنا حد البدعة بياناً شافياً يمكن أن نلخصه بقولنا : البدعة هي التعبد لله تعالى بما ليس له أو لصفته أصل في الشرع بالفعل أو الترك وكان الداعي إليه موجوداً والمانع مفقوداً زمن الوحي.

 

 
1838
 
 
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ