الثلاثاء  
1440/07/20
هـ  
 الموافق:    2019/03/26م    
 
مختارات علمية
   
آداب إسلامية
   
منهج ابن عثيمين العلمي
منهج ابن عثيمين العلمي

الحمد لله رب العالمين وأصلى وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ، وفي رواية مسلم: ( حتى إذا لم يترك عالماً ) .

كان الشيخ محمد رحمه الله عالماً في الفقه وأصوله عالماً في التفسير وأصوله وكذا في اللغة والنحو وغيرها من العلوم الشرعية.

مات الشيخ رحمه الله ولكنه لم يمت علمه فقد ورث رحمه الله ثروة علمية عظيمة وذلك من خلال كتبه المطبوعة والأشرطة المسجلة فأنصح جميع طلبه العلم سواء المبتدئ منهم أو المنتهي أن يعكف على قراءة كتب الشيخ ، رحمه الله وسماع أشرطة دروسه العلمية وسوف يجد فيها علماً غزيراً محرراً منقحاً واضحاً سلساً ولقد فعلت ذلك منذ عام 1405 هـ، فوجدت خيراً كثيراً.

ولو أن أحداً اقتصر على ذلك مع قراءة كتب أهل العلك ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لفاق كثيراً من أقرانه الذين لم يسلكوا مسلكه والله المستعان ، وسبب ذلك هو اعتناء الشيخ رحمه الله بالدليل مع ذكاء حاد وعبقرية فذه وكذلك اعتناؤه رحمه الله بأقوال شيخ الإسلام ونصرته لها كان له أثر كبير في ذلك.

ولم يكن الشيخ رحمه الله متعصباً للمذهب أو أقوال شيخ الإسلام رحمه الله ومن آخر المسائل التي سالته عنها وخالف شيخ الإسلام هو أني سألته رحمه الله عن قول شيخ الإسلام في الاختيارات يتوجه جواز الصوم عن حي عاجز معسر ، فقال شيخنا الشيخ محمد رحمه الله ليس له وجه وإذا كان عاجزاً معسراًُ ما عليه شئ لا صيام ولا كفارة.

أما تواضعه وزهده فأشهر من أن يذكر فمن تواضعه أني كنت أكل معه رحمه الله أكلة السحور في مكة وكنت جالساً إلى جانبه ، فلما شرع في أكل الفاكهة صار يعطيني منها وهذا يدل على تواضعه وحسن ملاطفته لطلابه رحمه الله.

وأذكر أيضا في عام 1406 هـ في عنيزة أن بعض الحاضرين أحضر نعلي الشيخ رحمه الله لما أراد الخروج من المسجد ليلبسهما فرفض الشيخ ذلك وأمره بأن يعيدهما إلى مكانهما وأما زهده فيكفي أن تعلم أن ربع كتبه التي تطبع بإذنه لصالح الأعمال الخيرية ويتشرط على من يقوم بطباعة كتبه ألا يحتفظ بحقوق لمن اراد طبعه وتوزيعه مجاناً .

نشره للعلم :
وأما نشره للعلم فحدث ولا حرج ، فقد بذ نفسه للعلم وطلبته إلى حد الإجتهاد فأذكر أن الشيخ رحمه الله كان يلقي درسا في الحرم المكي بعد الفجر وكان يتكلم عن سجود السهو وفجأة ومن شدة التعب والإعياء وحرصه رحمه الله على الاستمرار صار يتكلم عن الزكاة فعلمت أن الشيخ مجهد جداً فقمت من الحلقة وذكرت له أنه حصل تداخل في الكلام.

ومن الغد وقبل أن يبدأ الدرس قال كل من سجل درس الأمس فليمسحه لا أسمح بنشره هذا معنى ما قاله رحمه الله وتكرر هذا من الشيخ رحمه الله في عام آخر وهذا يدل دلالة واضحة على أن الشيخ بذلك نفسه لنشر العلم ولو حصل بذلك اجهاد لنفسه بل إنه لم يمتنع من إلقاء الدروس في الحرم والجابة على أسئلة الناس مع أنه كان يصارع المرض فرحمه الله رحمة واسعة .

اعتناؤه بطلبة العلم :
وهذا الجانب قد انفرد به الشيخ رحمه الله فيما أعلم فقد اعتنى بطلبة العلم عناية عظيمة، ومن هذه العناية أنه كان يحثهم على طلب الدليل وأن يستدلوا قبل أن يعتقدوا وأن الآفة التي دخلت على كثير من العلماء أنهم اعتقدوا قبل أن يستدلوا ومن صور عنايتة بطلبه العلم وتربيته لهم أنه كان يقول لهم إذا نقل لكم شئ عن عالم تستنكروهه فاتصلوا به ولا تتعلجوا في الحكم .

وقد نقل لي أشياء عن الشيخ محمد فاستنكرتها واتصلت به رحمه الله للتأكد من ذلك فمن ذلك أنه نقل لي أن الشيخ محمد سُئل في أحد الدروس عن لبس العقال فأخذ الشيخ عقال أحد الحاضرين ولبسه طيلة الدرس فسألته عن ذلك فقال : هذا كذب لم ألبسه ولا دقيقة واحدة، وقال لي باللجة العامية " خذ وخل " .

واشتهر في عام 1419 هـ أن امرأة رأت رؤيا في رجل بعدما حج ورأته وهو عريان وأن الشيخ محمد رحمه الله أولها بأن هذا دليل على أن الرجل غفر له ذنبه وأن المرأة قالت للشيخ: إن هذا الرجل الذي رأيته هو أنت يا شيخ وأن الشيخ بكى في المذياع وكان ذلك في سؤال على الهاتف فسألته  رحمه الله عن ذلك فأنكرها وقال: ما أذكر هذا ولا أذكر أني بكيت وهذه المرأة مجهولة لا يؤخذ بقولها .

أدبه مع العلماء :
وهذا جانب عظيم جداً وقد أخذ به الشيخ رحمه الله بحظ وافر ومن صور ذلك احترامه لآراء غيره من العلماء وإن كان يرى خلافها مبتعداً عن أسلوب التجريح ، ومن صور ذلك ننقله اختيارات مشايخ وغير مشايخه في بعض المسائل الفقهية ولم تمنعه المكانة التي وصل إليها من ذلك.

سألته رحمه الله عن لبس الباروكة فقال: الشيخ ابن باز يقول أنها من الوصل والشيخ ابن حميد لا يرى أنها من الوصل فقلت له: ماذا يقول الشيخ محمد ؟ فقال الشيخ رحمه الله:  هي من الوصل ولا تجوز إلا للحاجة.

وسألته عن ما يسمى بالجمعية وصورتها أن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال مساوياً لما يدفعه الآخر كل شهر ثم يدفع جميع المبلغ لأحدهم في الشهر الأول وفي الشهر الثاني يدفع لآخر وهكذا فقال : هي جائزة والشيخ عبدالعزيز فيه رجع إلى الجواز، قلت: وشيخنا عبدالعزيز رحمه الله كان يرى تحريمها ثم توقف فيها ثم أجازها.

وكنت مرة في القصيم وعزمت على الرجوع إلى الرياض وكان الشيخ رحمه الله قد دخل دورة المياه الخاصة بالجامع لقضاء حاجته، وقبل أن يدخل الحمام سلمت عليه وأخبرته أني عازم على السفر إلى الرياض وإذا كان يريد أن يأمرني بشئ فقال رحمه الله: نعم. فأراد أن يخرج من دورة المياه فقلت له رحمه الله: اقض حاجتك أولاً يا شيخ فرفض رحمه الله ذلك وركب معي في السيارة ثم ذهبنا إلى بيته فأعطاني رسالة في ظرف مختوم موجه للشيخ بكر أبو زيد حفظه الله؟ وقال : سلمها له بيده.

فذهبت للرياض وسلمت الرسالة للشيخ بكر وبعد فترة أتى الشيخ محمد إلى الرياض فجئت لأسلم عليه فكان أول ما قال لي بعد أن رد السلام :هل سلمت الرسالة ؟ فقلت: نعم. وهذا خلق ينبغي لأهل العلم أن يتصفوا به وهو الأدب مع العلماء واحترامهم والاعتراف بفضلهم ومراسلتهم فيما ينفع الإسلام والمسلمين .

صفات أعجبتني في الشيخ :
الصفات التي أعجبتني في الشيخ رحمه الله كثيرة منها : زهده وورعة وسعة علمه ونصرته للدليل، ومما أعجبني في الشيخ رحمه الله أنه في المسائل الفقهية التي يكون الخلاف فيها قوياً لقوة دليل أو تعلل كل قول منها ويقع للشيخ تردد في الترجيح أنه يذكر لطلابه أنه متردد وليس عنده ترجيح والمسألة بحاجة إلى مزيد وتأمل وبحث وهذا نافع جداً للطالب إن تأمله .

تقدمه في تفسير القرآن :
الشيخ رحمه الله إمام في التفسير فكان يفسر الآية ويستنبط منها فوائد عدة لا تكاد تجدها في كتب التفسير سألته عن تفسير قوله تعالى : { واجعلوا بيوتكم قبلة } فقال رحمه الله: أي اجعلوا بيوتكم يقصدها الضيفان، وهذا التفسير للآية لا تكاد تجده في كتب التفسير .

رأي الشيخ رحمه الله بالخطوط التي وضعت في أرضية الحرم :
كنت مع الشيخ رحمه الله في الدور الثاني من المسجد الحرام وكان بعض الأخوة يرى الشيخ الخطوط التي وضعت في أرضية الحرم لتسهيل استقبال الكعبة حال الصلاة وكان الشيخ رحمه الله لا يرى بها بأساً لما فيه من المصلحة، ولأن واضعها لا يقصد بذلك التعبد وسمعت الشيخ رحمه الله في بعض الدروس أنه صلى مرة في الدور الثاني من المسجد الحرام فلما سلم تبين له أنه لم يستقبل عين القبلة فأعاد الصلاة رحمه الله تعالى .

آخر فتوى سألته عنها :
كنت إذا سألت الشيخ رحمه الله عن يء دونته في دفتر خاص وكان من ضمن الأسئلة سؤال عن لبس الباروكة وتقدم أنه قال : هي من الوصل ولا تجوز إلا للحاجة فأشكل علي قوله إنها لا تجوز إلا للحاجة، والوصل محرم والمحرم لا يجوز إلا للضرورة.

فسألته عن ذلك فقال رحمه الله :هي من الوصل فلا تجوز إلا لضرورة كامرأة شابة ليس لها شعر وتعرف أن هذا يشق عليها، وكان هذا السؤال بتاريخ 1421/9/14هـ أي قبل وفاته بشهر رحمه الله تعالى.

وأخيراً أرجع فأقول: نصيحتي لجميع طلبة العلم أن يستفيدوا من دروس الشيخ رحمه الله لما فيها من العلم الغزير غفر الله لشيخنا وأسكنه فسيح جناته ورفع درجته في عليين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المصدر: مجلة الدعوة. العدد 1781 -  28 ذو القعدة 1421 .

 
2952
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر