الأحد  
1441/02/21
هـ  
 الموافق:    2019/10/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
صفحات من حياة داعية
صفحات من حياة داعية

شرف عظيم للعبد عندما يدفعه الإخلاص لله تعالى أن يسلك طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام ويتفيّأ بظلال قدوتهم والسّير على منهجهم في دعوة النّاس للخير للحصول على المقصد الأسمى والمقام الأعلى برضا الرّحيم الرّحمن سبحانه وتعالى.

عندما وقفت متأمّلاً نصوص الكتاب والسّنّة في فضائل الدّعوة إلى الله تعالى تمثّل أمامي العمر الحقيقيّ للدّاعية عندما يتوارى جسده في التّراب، ويبدأ نهر الحسنات بالجريان، ويصبّ ذلك كلّه في الميزان الذي يؤثّر فيه مثقال الذّرة، فتكون الحسنات أنيسًا في القبر وبشرى عند الوقوف أمام ربّ العالمين.

إنّ حياة الدّعاة إلى الله –تعالى- من النّعيم الذي ينعم به المؤمن عندما يضع الدّاعية خدّه في آخر يومه على وسادته، ويختلط التّعب والمشقّة بنعيم العمل لله تعالى، ويقوم من غده، ويقطف الخيرات، ويحصد الحسنات من جديد. تلكم –والله- السّعادة الحقيقيّة، ومن علم سيرة خير البريّة - صلّى الله عليه وسلّم - استقرّ في قلبه برد اليقين بهذا العمل العظيم.

ومن أهمّ صفات الدّاعية إلى الله تعالى أن يكون قدوة حسنة في مجتمعه؛ لأنّ تأثير الدّعوة بالأفعال كتأثير الدّعوة بالأقوال، وأن يتحلّى بمكارم الأخلاق.

وفي هذا السّياق أتذكّر قصّة دائمًا أذكرها للإخوة أنّ أحد المشايخ الفضلاء ممّن يُعرف بلين الجانب والابتسامة المشرقة - لمن يعرفه ولمن لايعرفه -قابله أحد الشّباب المقصّرين، فبشّ الشّيخ في وجهه، واستقبله أحسن استقبال، وأخذ معه أطراف الحديث، فتغيّرت أحوال هذا الشّاب، وأصبح فيما بعد من الدّعاة إلى الله تعالى.

ويكمن نجاح الدّاعية إلى الله –تعالى- في العلم الشّرعيّ الذي به يحسن ما يدعو إليه، وبالتّربية الإيمانيّة التي تعين الدّاعية في يومه الدّعويّ، وبأسلوبه وعرضه المناسب الذي يساهم في تحقيق الأهداف التي يحدّدها، وفي الدّرجة الأولى إخلاص العمل لله تعالى، ومتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

ومحبّة النّاس وقبولهم للدّعاة وغيرهم لايملكهما البشر، وإن حاول أحد تغييرها فليس له إلاّ أن يبوء بالحسرة والإثم، والدّاعية في الحقيقة لايضرّه شيء؛ لأنّه سائر في طريق العزّة، ويترقّى في منازل الكرامة، وإن وجد ما يسرّه، فتلك عاجل بشرى المؤمن، ويكفيه في كلّ أحواله أنّه يعمل بقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

وهذه المقدمّة من صيد خاطري دوّنتها بعدما لهج لساني بالدّعاء، وغرقت عيناي بالدّموع، ولم أستطع التّعبير عما يجول في خيالي، ويلمسه فؤادي بسماعي خبر وفاة أخي وصديقي الدّاعية عبدالله بن ناصر الجميع رحمه الله تعالى.

إنّ وفاة هذا الدّاعية الشّاب أحيا فيَّ وفي غيري أشياء كثيرة، فلربّما يستغرب البعض من سنّه الذي لم يتجاوز التّاسعة والعشرين، ولكن يزول هذا الاستغراب الطّبيعيّ بمقولة الشّيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى -: (لايُقاس عمر الإنسان بطول السّنين، ولكن بعرض الأحداث).

عرفت هذا البطل الهمام صغيرًا، وكبر في عيني بأفعاله سريعًا مع مرور الأيام والسّنين، وقد جعل له في أكثر ميادين الخير بصمة واضحة، ومن اقترب منه لاحظ الجهد الذي كان يقدّمه في مسابقته إلى الخيرات، وتُوّجت تلكم الجهود بأن ختم حياته في الدّنيا - بتوفيق الله تعالى - بأن كرّر كلمة التّوحيد كثيرًا حتى اختفى صوته وسبّابته إلى السّماء، وبإشراقة وجه كلّ من رآه استبشر خيرًا.

الصّفحات الأخيرة من حياة هذا الدّاعية المجاهد بدأت بعدما ختم برنامجه الدّعويّ في محافظة بيشة يوم الثلاثاء الماضي، وخرج منها بعد صلاة العشاء، قاصدًا محافظة القويعية لإقامة برامج دعويّة هناك.

وقدّر - سبحانه تعالى - عليهم في الطّريق الموصل بين المحافظتين أن تنحرف شاحنة في طريقهم، وكلّما أراد الابتعاد عنها تبعته الشّاحنة، وهو لايزال يرفع صوته بقول: (لا إله إلاّ الله) حتى اختفى صوته تحتها، وقبض الله تعالى روحه وصاحبه الذي معه.

وأمّا صاحبه الثّالث فقد كتب الله تعالى له النّجاة بأن قفز من السّيارة من قوّة الضّربة، وأُصيب بكسور، وهو الآن في العناية المركّزة.

انتشر خبر وفاته، وأجمع أهله أمرهم بالإتيان به إلى محافظة الخرج، ووصل جثمانه إلى مغسلة جامع الملك عبد العزيز السّاعة الواحدة والنصف ليلاً، وقدمت ومعي مجموعة من الشّباب للمغسلة وشاركنا في تكفينه، وقد رأيته مبتسمًا وعلى وجهه النّور، ورافعًا سبابته إلى السّماء، وقبّلنا جبينه، ودعوْنا له كثيرًا وأصواتنا يخالطها البكاء، وتركناه وخرجنا من المغسلة ونحن نحمد الله تعالى على قضائه وقدره.

وتوافد النّاس على المغسلة للسّلام عليه من الصّباح الباكر إلى ما قبل صلاة الظّهر، وازدحم النّاس في الجامع، وصلّى الكثير منهم في الخارج، وأُغلقت الشّوارع المحيطة بالجامع من شدّة الزّحام، وبعد الصّلاة عليه تبعه النّاس إلى مقبرة الثليماء جنوب محافظة الخرج، وجموع النّاس تتبعه، والتفّ أكثرهم حول قبره.

وبعد الفراغ من دفنه وقف أحبابه على قبره للدّعاء له، وارتفع صوت البكاء، وخيّم الحزن على الجميع، وأقبل بعضهم لعزاء أقاربه، وخرج النّاس من المقبرة، وبقي أخي الغالي الدّاعية عبد الله الجميع بين يدي رحمة الله تعالى.

ورجعت إلى منزلي، داعيًا الله تعالى له بالمغفرة والرحمة، وبدأت أسترجع شريط المشاهد التي عشتها مع هذا الصّديق الوفيّ، وكتبت بعض صفحات من حياته وجهاده، وتركت التّفصيل والاستغراق في بعض الأحداث، وغرّدت بها في حسابي على تويتر، والحمد لله ربّ العالمين.

 
1621
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر