الجمعة  
1440/11/17
هـ  
 الموافق:    2019/07/19م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
وأنت العزيز يا رسول الله
وأنت العزيز يا رسول الله

" الآن نغزوهم ولا يغزوننا " بهذا القول أسدل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الستار على مشاهد غزوة الخندق ، وهو يؤمّل أصحابه الصابرين المجاهدين لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى بالنصر.

ويقرّر بحديثه الذي هو وحي يوحى أن قريشاً لن تعاود الكرّة أبدا ولن تغزو مدينة الإسلام أبداً بل إنّها البشارة بالفتح والتمكين وأنّ الدولة التي أقامها نبي الله صلى الله عليه وسلّم بدستورها الرباني الحكيم المنتصر.

ستتحول من الدفاع إلى الفتح العادل الرّحيم ويبلغه خبر تجمّع بني المصطلق لحرب الإسلام ومدينته، فيحشد لهم ويلاقيهم على ماء المريسيع وتكون الغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين، وتدور أحداث المعركة وتنتهي ببني المصطلق أسرى لدى المسلمين .

ويشاء الله تعالى أن يكشف رؤوس النّفاق كما يكشفها في كل موطن لكي يظل النّفاق أبدا محلّ النبذ والرفض والاحتقار في كل قلب مؤمن خالص الإيمان.

إذ يتلاحى غلامان على ماء المريسيع أحدهما مهاجر والآخر أنصاري ويستنجد كل منهما بقومه وعبد الله ابن أبيّ يسمع ويرى، وينطلق لسانه بما في قلبه من النّفاق وكراهية محمد صلى الله عليه وسلّم فيقول : والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلّا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك ،أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل ّ.

وفي القوم زيد بن أرقم غلام صغير، يسمع قول المنافق فينطلق بالكلمة حتى أسرّ بها لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وعمر بن الخطاب يستشيطه الغضب ، ويطلب من النبي أن يأمر بقتل رأس النّفاق ابن أبيّ والرسول الحليم الحكيم الذي بعث بالهدى والرّحمة يجيب عمر قائلا : كيف ياعمر إذا تحدّث النّاس أنّ محمدا يقتل أصحابه لا ولكن آذن بالرّحيل.

والمسلمون المحبّون لنبيّهم يعرفون أعماله وطباعه ، ويدركون أن الرحيل في ساعة لم يرتحل فيها النبي قبل ذلك إنما يشير إلى أمر طارئ.

ويدركها أسيد بن حضير ويسأل النبيّ قائلاً : يا رسول الله! لقد رحت في ساعة منكرة لم تكن تروح بمثلها؟ فقال له صلى الله عليه وسلّم: أوما بلغك ما قال صاحبكم؟ قال أسيد: فأي صاحب يارسول الله؟ قال: عبدالله بن أبيّ، قال وما قال؟ قال: زعم أنّه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الاذلّ.

قال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إذا شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز يا رسول الله، ارفق به يارسول الله، فوالله لقدجاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه فإنّه ليرى أنّك قد استلبته ملكا.

فهو التاج إذن يابن أبيّ ، وهو الملك الذي ظننت أنّ محمداً أزاحك عنه فنافقت وهلكت، وما دريت أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليه الملك والمال والنّعيم والخلد ولكنها لم تحرّك في قلبه نبضا ولافي نفسه رغبة، بل الفردوس الأعلى من الجنة هو مطلبه الدائم، والشفاعة بأمته هي مبتغاه.

ومع سريان الليل يسري الخبر وتتناقل القلوب المؤمنة باستنكار مقولة زعيم المنافقين وتصل إلى ولده عبد الله بن عبد الله بن أبيّ مع مقولة تزعم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيضرب عنقه ، ويستنكر الابن المؤمن كلمة أبيه المنافق، ويغضب لنبيّه الحبيب فقد بلغ نفاق أبيه حدّا عظيماً ولكنّه والده وهو به برّ مشفق عطوف.

ويسعى الابن المؤمن إلى نبيّه وقد هاله ما قاله بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: " يارسول الله! بلغني أنّك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرلي به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالده منّي وإنّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في النّاس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا ) .

وتصوّر لنا أوراق التاريخ المشرق لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم لوحة الوفاء والإيمان، والحبّ الخالص في قلوب الصحابة لنبيهم الحبيب، وافتدؤهم إيّاه بالمال والنفس والأحباب، فالركب المحمدي يصل أبواب المدينة، والابن المؤمن يقف لأبيه على باب المدينة يمنعه من دخولها قائلا :قف فوالله لن تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في ذلك .

ويظل عبد الله بن أبي واقفاً على باب المدينة وهو الاذلّ حتى يأذن له المصطفى صلى الله عليه وسلّم بالدّخول، فيعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعزّ.

فتلك بدور طيبة تنير للسالكين طريق الهدى، وتعلّم من ادّعى حبّ النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان أحبّ إلى أصحابه من نفوسهم ونفائسهم وأهليهم.

اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 
2236
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر