الأثنين  
1441/01/17
هـ  
 الموافق:    2019/09/16م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
معرض الكتاب وتشكيل الوعي
معرض الكتاب وتشكيل الوعي

القراءة من الوسائل الأقوى تأثيرًا في تشكيل وعي المجتمع، والأكثر فاعليّة في تكوين الشّخصيّات؛ لأنّ القارئ ستختزن ذاكرته بجملة من المعارف، وعدد من الخبرات والرّؤى التي سيستدعيها الذّهن عند الحاجة لمحاولة محاكاتها بالواقع.

من هنا كان لمعارض الكتب "دوليّة كانت أم محليّة" المكانة القصوى في الخارطة المعرفيّة؛ وذلك لصلتها بالمقروء وهو الكتاب، ودعمها الصّامت لمشروع القراءة، وإذكاء روحها في نفوس الرّواد ومجمل المتابعين.

وجزء من مساهمة المعرض في تشكيل الوعي المجتمعيّ يأتي من عدّة طرق:

- قبل المعرض كتكثيف الطّرح حوله في الإعلام بأنواعه كافّة، والتّعريف به في محافل التّدريس الرسميّة والأهليّة بمراحلها جميعها، وهنا لا بدّ للوعي الإعلاميّ أن يسمو عن التّحريش بين الاتّجاهات، ويسعى للبناء الحقيقيّ، والمواءمة بين الآراء، لا إشعال الفتيل فيما بينها.

- وفي هذا السّياق يحسن التّنبيه إلى أنّ معارض الكُتُب لا ينبغي أن تكون ميدانًا للحروب الاستباقيّة في نيل الزّعامة بين التّيارات المختلفة، ولا يسوغ أن تصبح محلاًّ لصناعة الوهم والتّصنيفات المتسارعة، والصّراع بين الأفكار، بل إنّها أشبه بحلق النّقاش، ومجالس الأنس؛ لتبادل الأفكار وتنقيحها، والحوار لكي يكون مثمرًا لا بدّ أن ينطلق من الحبّ والرّحمة بين المتحاورين.

- وبعد المعرِض كعَقْد الحوارات حوله، وإثراء ما تضمّنه من سلبيّات وإيجابيّات، وطرح الحلول المناسبة لضمان الجودة والتّميّز، وإشادة الباحثين بالكُتُب الأرقى تحقيقًا، والأقوى طرحًا "جمعًا ونقدًا وتحليلاً"، والتّعريف بها وبأربابها.

- وأثناء المعرِض كإحياء النّدوات المصاحبة للمعرِض، ودعوة المؤثّرين لها في المعرفة وخبراء الكُتُب، والبثّ المباشر لأروقته عبر الإعلام الفضائيّ، وإقامة الزّيارات الرّسميّة للمدارس والجامعات ومراكز البحث.

- ثم إنّ التّنويع المعرفيّ الذي تحتفل به صالة المعرِض، والذي يضع لك فكر الشّرقيّ بجانب الغربيّ من الأمور الفاعلة في الوعي؛ فاتّساع دائرة المعلوم مكانًا وزمانًا وتضييق المجهول من الأهميّة بمكان.

- وفي العلاقة مع المرقوم شرقيًّا أو غربيًّا حاضرًا أو غائبًا: بحاجة لوعي مُسدَّد، وفكر مؤيَّد بالبرهان؛ للتّفريق بين الدّينيّ والدّنيويّ، والتّمييز بين العادة والعبادة؛ لكي نُحسن التّعامل مع نِتاج الآخرين، ونضعه في سياقه الطّبيعيّ، ونفرز منه بين ما يقبل الاستقطاب لإدارة الحياة وما ليس كذلك، ومن الجيّد أن يكون الوعي بالتّاريخ محفّزًا لا عائقًا، ومن عمق الوعي: النّظر بعين الحاضر لا بعين الماضي.

- ومن الوعي المهم الذي يُلهم به المعرِض روّاده: تفعيل معيار الكيف والنّوعيّة، والبعد عن الكمّ والكثرة؛ فالباحث الجيّد قد يكون مُقلاًّ، كما أنّ الكُتُب التي تُشكّل إضافة حقيقيّة في المعرِض كلّه ربّما لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

إنّ اصطفاف الكُتُب على الأرفف بكامل زينتها يخاطب العقل الواعي وغير الواعي؛ فمعايشة المرء لمثل هذه التّظاهرة الثّقافيّة، ومتابعة أحداثها عبر وسائل الإعلام المختلفة، مع تفاعل المجتمع، وكثافة الطّرح، وإبراز دور القراءة، وأهمّيّة معارض الكُتُب؛ كلّ هذا الحراك سيحتفظ به العقل الباطن، وحين يقرّر المرء زيارة المعرِض ويشاهد زخمه.

ويرى ألوانًا من الكُتُب بأحجامها وأشكالها، ويلامس أوراقها الجديدة بقلبه قبل أنامله، ويعزم على اقتناء الكتاب المعيّن، حتمًا سيؤثّر ذلك في تشكيل وعيه وعلاقته مع الكتاب فيما بعد شَعر أو لم يشعر.

وربّما أقول: إنّ أهمّ هدف للمعرِض يجب العناية به: هو هدف المشاركة في صناعة المثقّف الواعي، والنّجاح في استقطاب الجماهير، والسّؤال المطروح: كيف تقوم لجان المعارض بتحقيق هذا الهدف بامتياز؟.

والقيمة المعرفيّة لمعارض الكُتُب عند المثقّفين تختلف باختلاف أهدافهم ومستواهم الفكريّ والعلميّ، وتختلف أيضًا أهمّيّة المعرِض باختلاف البلدان وسياساتها كمعرِض القاهرة، أو معرِض الرّياض، أو الدّار البيضاء وغيرها، ولكن في الجملة يحرص المرء على معرِض الكتاب لأمور منها:

- توسيع المدارك الذّهنيّة كما سبق؛ ففي المعرِض يرى المتخصّص عمومًا: من تنوّع الموضوعات وكثرتها، وطرق معالجتها، واختلاف مناهجها = ما يفتح له آفاقًا في مجاله العلميّ وتخصّصه.

- الوصال ورؤية المحبوب؛ فبعض المحبّين للكُتُب، كالعشّاق أو أشدّ.

- التّنقيب عن مصادر إضافيّة لبحث محدّد، أو موضوع لاحق في الذّهن.

- معرفة الجديد مطلقًا من الكُتُب والإصدارات.

- زيارة المكتبات في بلدان مختلفة تحت سقف واحد.

- لقاء ورؤية عدد من العلماء والباحثين وغيرهم داخل المعرِض وخارجه.

- حضور الفعاليّات المصاحبة للمعرِض.

- متابعة آخر النّسخ والطّبعات ومعرفة المحقّقين الجُدُد.

- اقتناء ما يفيد ويناسب في توجيه وتربية التّلاميذ والأبناء.

- الرّغبة في تكوين مكتبة معرفيّة خاصّة أو عامّة.

- الفرجة وقضاء الوقت.

فأيًّا كان غرض الزّائر لمعرِض الكتاب؛ فإنّ الحضور إليه نوع من تكثير السّواد الذي لا يخلو من فائدة؛ ففئام من النّاس لا يدفعهم للحضور سوى الإقبال من الجماهير؛ فيأتي بهدف المشاهدة لا أكثر، ويُجِيل النّظر فيما حوله لعلّه يرى ما يَشدّ اهتمامه ويدفعه لاقتناء الكتاب؛ ليصبح بذلك عضوًا جديدًا في نادي القُرّاء.
 

 
1445
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر