الأثنين  
1441/06/02
هـ  
 الموافق:    2020/01/27م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
الرغبة في الجديد
الرغبة في الجديد

الرغبة في الجديد ظاهرةٌ تقوم في دنيا الناس في كل زمن، وهي قائمةٌ اليومَ بصورة شديدة، وهي ظاهرة ينبغي أن تكون متصفة بأمور؛ حتى تكون ظاهرة محمودة؛ فالجديد له بهجة، وللنفوس به متعة، فالثوب الجديد، والمسكن الجديد، والكتاب الجديد، والوليد الجديد - كل أولئك مرغوب ومطلوب.

ولكن الجديد في ذلك كله ينبغي أن يكون متصفًا بالجودة وتقديم النفع، أما إذا كان هذا الجديد سيئًا، كان مكروهًا وممقوتًا، فالوليد الجديد مكرَّم، يفرح أهلُه بقدومه، ويُقِيمون الأفراح، وينصبون الموائد احتفالاً بقدومه؛ لما يتوقعون من إعانته أهلَه عندما يبلغون عنده الكِبَر، وحمايتهم والدفاع عنهم عندما يبلغ أشدَّه، ولما يتوقعون من إبقائه ذكرَهم، ومن إشباع رغبتهم في الامتداد في الذرية والأحفاد: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46].

أما لو علم الأهل أن هذا الوليد سيكون عدوًّا لهم وحزَنًا، وأنه سيرهقهم طغيانًا وكفرًا، لَمَا رحَّبُوا به، ولحاولوا التخلص منه بأية وسيلة من الوسائل.

والجديد من الكتب مرغوب ومطلوب إن كان فيه علم نافع، وخبر ممتع، وكان فيه أمرٌ بالمعروف، ونهي عن المنكر، وفكر مستنير، وأسلوبٌ جميل، أما إذا كان فيه سخفٌ وتقرير للباطل ودعوة له، وكان أسلوبه سقيمًا كأسلوب السوقة والسفلة، كان مكروهًا وممقوتًا، وكذلك شأن كل جديد.

إن الرغبة في الجديد؛ لأنه جديد فقط، بغض النظر عن قيمته، والفائدة منه - رغبةٌ غير سليمة، ولا جديرة بالاحترام؛ ذلك لأنه ليس كل جديد حسنًا، وليس كل قديم قبيحًا، وليس كل قديم حسنًا، وليس كل جديد قبيحًا.

وما أجملَ كلمة "ابن قتيبة" التي انتقد فيها ما كان عليه بعض أهل العلم في زمنه، من احتقار الجديد لجِدَّتِه، وإجلال القديم لقدمه، قال - رحمه الله -:

"... ولا نظرت إلى المتقدِّم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخِّر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل والإنصاف إلى الفريقين، وأعطيت كلاًّ حظه، ووفَّرت عليه حقه.

فإني رأيت من علمائنا مَن يستجيد الشعر السخيف؛ لتقدم قائله، ويضعه في متخيَّره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، وأنه رأى قائله.

ولم يقصر الله العلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّ به قومًا دون قوم، بل جعل الله ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده، وجعل كل قديم حديثًا في عصره".

هذا، وإن الكاتب والباحث عندما يتعمَّد أن يأتي بجديد، وهو ليس أهلاً لذلك، يأتي بالسخف يعرضه بأسلوب ركيك، يحسب نفسه أنه قدَّم شيئًا، وهو لم يقدِّم شيئًا.

إن الجديد المستحسَن هو الذي يفيض من الموهبة، ويأتي دون تكلُّف، إنه عندئذٍ هو الذي تتعلق به القلوب، وهو الذي تميل إليه النفوس، ويكون موضع التقدير والإعجاب والقبول.

إن معظم الذين اخترعوا المخترَعات، ومعظم الذين وضعوا نظرياتٍ جديدةً في الطب والعلوم التجريبية وغيرهما - كانوا أهلاً للاختراع والإبداع، وكانوا قد سبق أن أعدُّوا أنفسهم إعدادًا يؤهِّلهم إلى الإبداع والاختراع، واتصفوا بالصبر والدأب والمثابرة، وقد عمدوا إلى المنهج التجريبي، وكرَّروا المحاولات؛ حتى جاءت إليهم المخترعات والنظريات ساعيةً إليهم، فائضة من موهبتهم وعبقرياتهم؛ من أمثال الذين اكتشفوا الكهرباء، واخترعوا الهاتف، والسيارة، والمطبعة، والطائرة، وغيرها.

لقد كانوا رجالاً جادِّين موهوبين، وكانوا متعاونين، وكذلك فقد جاء الذين من بعدهم من الموهوبين يحسِّنون ما صنعه سلفهم ويطوِّرونه؛ حتى وصلوا إلى ما نشهده اليوم.

وهناك على الجهة المقابلة قومٌ زعموا أنهم أتوا بحقائقَ جديدةٍ، وهم في حقيقة الأمر لم يأتوا بشيء؛ لأنهم ليسوا بأهلٍ للإبداع.

ففي التاريخ مثلاً نجد قومًا حاولوا أن يأتوا بجديد، فعمدوا إلى ما تعارف عليه العلماء من أحداث التاريخ الثابتة فأنكروها.

من ذلك أني قرأت لكاتب بحثًا ذهب فيه إلى أن عبدالله بن سبأ اليهودي لا وجود له، علمًا بأن ابن سبأ أجمع على وجوده معظم العلماء، وعلى أنه قام بدور هدَّام في حياة المسلمين.

ومن ذلك أن باحثًا آخر زعم أن هولاكو الطاغية السفَّاك الجبار الذي أهلك الحرث والنسل - كان رجلاً مصلحًا، قام بأعمال حسنة في بلاد المسلمين التي سيطر عليها، يقرِّر عكسَ ما جرى عليه المؤرِّخون وأكَّدوه، ويزعم أنه أتى بجديد!

وفي الأدب العربي نجد قومًا زعموا أنهم أتوا بحقائق جديدة، فعمدوا إلى حقائقَ ثابتةٍ فأنكروها، على نحو ما فعل مستشرق مغرِض من إنكار وجود شعراء الجاهلية؛ كطرفة، وعنترة، وزهير، وامرئ القيس، وزعم أن هذه الشخصيات مخترَعة من قِبل بعض الرواة في العصر العباسي، وقلَّده بعض أدباء العرب.

أقول: إذا كان هذا عبثًا وتضليلاً للعقول في التاريخ والأدب، فإن أمثاله في أمر الدين الإسلامي أسوأُ وأفظع وأخطر.

وقد كان الناس فيما مضى يَهابون الخوض في أمور الدين، ولكننا - واأسفاه! - وجدنا في العصور الأخيرة بعض الباحثين يتجرؤون ويخوضون في أمور الدين بالباطل، يدفعهم إلى ذلك رغبتُهم في الإتيان بالجديد، واسترضاء الكفار! من نحو إنكار الجهاد الهجومي لنشر الدعوة وتبليغ دين الإسلام، وكإنكار حد الرِّدة، وإنكار النسخ، وغير ذلك من الآراء الشاذَّة الباطلة.

إن التجديد الذي يتطلع إليه أصحاب هذه الآراء، إنما كان لينالوا الشهرة بمخالفة ما عَرَف الناس من الحقائق، إنه تجديد منكَرٌ ممقوت باطل.

وجدير بالمرء أن يلتمس ما يجدِّد به حياتَه من الأمور التي يقرها الشرع، وألاَّ يكون جامدًا على حالة واحدة.

وكذلك فإن على علماء الدين والدعاة أن يجدِّدوا في أساليب تعليمهم ودعوتهم، وأن يستفيدوا من الأساليب والمخترعات التي لم تكن معروفة، ما دامت في دائرة الشرع المطهر.

وأخيرًا أقول: ليعرف كل امرئ من الناس حدَّه وقدره، فلا يجاوزه، وليتقِ الله ربه، وليذكر قول الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت))؛ متفق عليه.

وليعلم كل إنسان أنه مسؤول عن كل ما يقوله، وعن كل ما يكتبه، والمسؤوليةُ بشأن الكتابة أصعبُ وأشد، ولا سيما إذا كانت مطبوعة.

وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلَّا سَيَفْنَى       ويَبقَى الدَّهرَ ما كَتبتْ يداهُ

فلا تَكتُبْ بكفِّكَ غيرَ شيءٍ     يَسرُّك في القيامةِ أن تراهُ

يقول الله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].

 
1461
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر