الثلاثاء  
1438/04/26
هـ  
 الموافق:    2017/01/24م    
 
مختارات علمية
   
مسائل في الاعتقاد
   
القضاء والقدر والعلاقة بينهما
القضاء والقدر والعلاقة بينهما

تعريف القضاء لغة: القضاء في اللغة مصدر الفعل قضى يقضي قضاءً.
قال ابن فارس في مادة (قضى): القاف، والضاد، والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر، وإتقانه، وإنفاذه لجهته.

قال الله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ [فصلت: 12]؛ أي: أحكم خلقهن، ثم قال أبو ذؤيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما        داود أو نَسَجُ السوابغ تُبَّعُ .

والقضاء: هو الحكم، والصنع، والحتم، والبيان.
وأصله القطع، والفصل، وقضاء الشيء، وإحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه؛ فيكون بمعنى الخلق .

إطلاقات القضاء في القرآن الكريم:
يطلق لفظ القضاء في القرآن إطلاقات عديدة؛ منها :
أ- الوصية والأمر: قال الله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23]؛ أي: أمر وأوصى.
ب- الإخبار: قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ﴾ [الإسراء: 4].
ج- الفراغ: قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ﴾ [البقرة: 200]، وقال - سبحانه -: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾ [النساء: 103].

د- الفعل: قال تعالى: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾ [طه: 72].
هـ- الوجوب والحتم: قال تعالى: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ [البقرة: 210]، وقال تعالى: ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف: 41].
و- الكتابة: قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: 21].

ز- الإتمام: قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ ﴾ [القصص: 29]، وقال تعالى: ﴿ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ [القصص: 28].
ح- الفصل: قال تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾ [الزمر: 69].
ط- الخلق: قال تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ [فصلت: 12].

ي- القتل: قال تعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾ [القصص: 15].

القدر:
تعريف القدر لغة:
مصدر الفعل قَدِرَ يقْدر قدَرًا، وقد تسكن دالُه .

قال ابن فارس في مادة (قدر): قدر: القاف، والدال، والراء، أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنه، ونهايته؛ فالقدْر مبلغ كل شيء، يقال: قَدْرُه كذا أي مبلغه، وكذلك القدَرُ، وقدَرْت الشيء أقدِره وأقدُره من التقدير.
والقدَر محركة: القضاء، والحكم، وهو ما يقدِّره الله عز وجل من القضاء، ويحكم به من الأمور.

والتقدير: التروية، والتفكير في التسوية أمر، والقَدَرُ كالقَدْر وجميعها جمعها: أقدار.

إطلاقات القدر في القرآن الكريم:
يطلق القدر في القرآن عدة إطلاقات منها:
أ- التضييق: قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ﴾ [الفجر: 16].
ب- التعظيم: قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الأنعام: 91].
ج- الاستطاعة، والتغلب، والتمكن: قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: 34].

د- التدبير: قال تعالى: ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴾ [المرسلات: 23]؛ أي: دبَّرنا الأمور، أو أردنا وقوعها بحسب تدبيرنا.
هـ- تحديد المقدار، أو الزمان، أو المكان: قال تعالى: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ﴾ [سبأ: 18]، وقال: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ [فصلت: 10].
و- الإرادة: قال تعالى: {﴿ فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ [القمر: 12]؛ أي: دبِّر، وأريد وقوعه.

ز - القضاء والإحكام: قال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ﴾ [الواقعة: 60] أي: قضينا، وحكمنا.
ح- التمهل والتَّروي في الإنجاز: قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴾ [المدثر: 18]؛ أي: تمهَّل، وتروَّى؛ ليتبين ما يقوله في القرآن. وقال تعالى: ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ [سبأ: 11]؛ أي: تمهلْ، وتروَّ في السرد؛ كي تحكمه.
ط- الصنع بمقادير معينة: قال تعالى: ﴿ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴾ [الإنسان: 16] .

العلاقة بين القضاء والقدر، وتعريفهما في الاصطلاح:
العلاقة بين القضاء والقدر:
من خلال ما سبق من تعريف القضاء والقدر في اللغة وبيان إطلاقاتهما في القرآن يتبين مدى العلاقةِ بينهما.
فمعاني القضاء تؤول إلى إحكام الشيء، وإتقانه، ونحو ذلك من معاني القضاء.
ومعاني القدر تدور حول ذلك، وتعود إلى التقدير، والحكم، والخلق، والحتم، ونحو ذلك.

القضاء والقدر في الاصطلاح الشرعي:
قال علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالشريف (740هـ - 816هـ)، القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحدًا بعد واحد مطابقًا للقضاء. والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال .

وقال في تعريف القضاء: القضاء لغة: الحكم.
وفي الاصطلاح: عبارة عن الحكم الكلي الإلهي في أعيان الموجودات على ما هي عليه من الأحوال الجارية في الأزل إلى الأبد .

وقال الدكتور عبدالرحمن المحمود: القضاء والقدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في القِدَم، وعلمه - سبحانه - أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها وخلقه لها ا .هـ.

وخلاصة القول: أن التعريف يجب أن يشمل مراتب القضاء والقدر (وهي المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم التقدير الى أن يكون مخلوقا واقعا بقدرة القدير ومشيئته )، التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر، وهي أربع مراتب:

المرتبة الأولى: علم الرب - سبحانه - بالأشياء قبل كونها.
المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها.
المرتبة الثالثة: مشيئته لها.
الرابعة: خلقه لها .

الفرق بين القضاء والقدر:
قال الجرجاني: والفرق بين القدر والقضاء هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها .

وقال الحافظ العسقلاني في الفتح كتاب الدعوات: (القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل ) .

وقال أيضًا في الفتح كتاب القدر: (وقالوا - أي العلماء -: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله، وقال أبو المظفر بن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العي ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملَك مقرب، وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها انتهى ) .

وقال العيني في العمدة: (فَإِن قلت: مَا الْفرق بَين الْقَضَاء وَالْقدر؟ قلت: الْقَضَاء عبارَة عَن الْأَمر الْكُلِّي الإجمالي الَّذِي حكم الله بِهِ فِي الْأَزَل، وَالْقدر عبارَة عَن جزئيات ذَلِك الْكُلِّي ومفصلات ذَلِك الْمُجْمل الَّتِي حكم الله بوقوعها وَاحِدًا بعد وَاحِد فِي الْإِنْزَال، قَالُوا: وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر: 21] .

وخلاصة القول، فالفروقات بين القضاء والقدر هي:

1- القضاء ثلاث مراتب والقدر أربع، فالقضاء علم وكتابة ومشيئة، أما القدر فعلم وكتابة ومشيئة وخلق.
2- القضاء غيب ويكون مشهودًا بالقدرة عند وقوع القدر.

3- القضاء يسبق القدر، ويشترك معه في علم التقدير، فكلاهما يتفقان في العلم والكتابة والمشيئة، ويزيد القدر مرتبة الخلق والتنفيذ، ولذلك نقول: قضاء وقدر، ولا نقول قدر وقضاء، فالقضاء سابق والقدر لاحق.

4- القضاء أعم من حيث التعلق والقدر أخص، فالقضاء يتعلق بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، أما القدر من جانب القدرة والخلق والتكوين، فيتعلق بما كان، وما هو كائن، أو بم تم ويتم خلقه وتنفيذه، أما من جهة المراتب، فالقدر أعم؛ لأنه أربع مراتب، والقضاء أخص؛ لأنه ثلاث مراتب.
والله أعلم .

 
1337
 
 
     
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ