السبت  
1438/09/02
هـ  
 الموافق:    2017/05/27م    
 
أقسام السحر

تقسيم الرازي للسحر:

قال أبو عبد الله الرازي: أنواع السحر ثمانية :

الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيَّارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبِّرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم.

الثاني: سِحْر أصحاب الأوهام والنفوس القوية.
ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يُمكِنُه أن يمشي على الجذع الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه.
قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفس خُلِقت مطيعة للأوهام.

الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطين.
قال: ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرُّقَى والدخن، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم، وعمل التسخير.

الرابع: التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطئ، ويشتغل بالشيء المعيَّن دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يُظهِرُ عمل شيء يُذْهِل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه؟ حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذٍ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت، ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفَطِن الناظرون لكل ما يفعله.

الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركَّبة على النِّسَب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسَّه أحد.
قال: ومن هذا تركيب صندوق الساعات.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يُعَدَّ من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية، من اطَّلَع عليها قدر عليها.
قلت: وهذه الأمور أصبحت مألوفة الآن بعد التقدُّم العلمي الذي كان سببًا في اختراع كثير من العجائب.

السادس: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات.
قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص؛ فإن تأثير المغناطيس مشاهَدٌ.

السابع: التعليق للقلب، وهو أن يدَّعِيَ الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، إذا اتفق أن يكون ذلك السامع ضعيفَ العقلِ، قليلَ التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبُه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعُفَت القوى الحاسة، فحينئذٍ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.

الثامن: السعي بالنميمة، والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس؛ اهـ .

قال ابن كثير - رحمه الله -: وقد أدخل الرازي كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر لِلَطَافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطُف وخَفِي سببه؛ اهـ .

تقسيم الراغب: قال الراغب: السحر يطلق على معانٍ:

أحدها: ما لطُف ودق، ومنه سحرْتُ الصبي: خادعْتُه واستملْتُه، وكل من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء: سِحْر العيون؛ لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأطباء: الطبيعة الساحرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحِجر: 15]؛ أي: مصروفون عن المعرفة، ومنه حديث: ((إن من البيان لسحرًا)).

الثاني: ما يقع بخدع وتخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفَّة اليد.

الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرْب من التقرب إليهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ [البقرة: 102].

الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب، واستنزال روحانياتها بزعمهم؛ اهـ .

التحقيق والإيضاح لأنواع السحر:

من دراسة تقسيمات الرازي والراغب وغيرهما من العلماء للسحر، نجد أنهم قد أقحموا في السحر ما ليس منه، والسبب في ذلك أنهم اعتمدوا على المعنى اللُّغَوي للسحر، وهو ما لطُف وخَفِي سببه، ومن هنا أدخلوا فيه الاختراعاتِ العجيبةَ، والأمور الناتجة عن خفَّة اليد، والسعي بين الناس بالنميمة، وما شاكلها من الأمور التي خفي سببُها، ولطف مدخلُها.

وكل هذا لا يعنينا في هذا البحث، إنما بيت القصيد، ومحور البحث، يدور حول السحر الحقيقي الذي يعتمد فيه الساحر على الجن والشياطين.

وثَمَّةَ حقيقةٌ أخرى لا بد من بيانها، ألا وهي ما ذكره الرازي، وكذلك الراغب، مما يسمى بروحانية الكواكب، والحق الذي ندين به لله أن الكواكب خَلْقٌ من مخلوقات الله مسخَّرةٌ بأمره ولأمره سبحانه، وليست لها روحانية، ولا تأثير في الخلق أبدًا.

فإن قال قائل: إننا نشاهد بعض السحرة الذين ينطقون بأسماءٍ، يزعمون أنها للكواكب، أو ترمز لها، ويخاطبونها، وبعد ذلك يتم سحرهم، وينفذ، ويتحقق أمام الرائي؟.

فالجواب: إذا صح هذا، فليس من تأثير الكوكب، ولكن من تأثير الشياطين؛ لإضلال السحرة وفتنتهم، كما روي أن الكفار عندما كانوا يخاطبون الأصنام الحجارة الصماء، فكانت الشياطين تجيبهم بصوت مسموع من داخل الأصنام، فيظنون أنها الآلهة، وليست كذلك، وطرق الإضلال كثيرة متشعبة - وقانا الله وإياكم شر شياطين الإنس والجن.
 

 
1287
 
 
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ