الجمعة  
1441/01/21
هـ  
 الموافق:    2019/09/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
استنهاض القوى
استنهاض القوى

من عمق المحن تأتي المنح، ومن ظلام الليل يتخلل نور الحق وبريق الأمل، وسيظل اليسر قرين كل عسر، بل سيظل كل عسر محفوف بيسرين، وهذه الحقيقة يجب أن تترسخ في قلوب المصلحين، وتأخذ حظها من نفوسهم حتى إذا ما صلبت وتمكنت أينعت بعد ذلك واقعاً كبيراً في الأرض، وعالماً مثالياً في الواقع والتطبيق.

إن هذه الحقيقة التي أؤكّدها في هذه الأسطر هي ذات الحقيقة التي حملتها دعوة الأنبياء منذ أشرق تاريخها في الأرض، وظلت دعوات المصلحين كلها محفوفة بالخطر لم يستقر لها شأن ولم يستقم لها مقام وكتب التاريخ في سننه أن كل دعوة لا تأخذ حظها من الواقع الكبير في الأرض حتى تشرب من فتنه وتلعق من مآسيه ما يؤهلها لصناعة مستقبلها في قادم الأيام.

واستطاعت دعوات المصلحين مع ذلك أن تمضي في الطريق وتركل كل عوائقه وتسير كما أراد الله تعالى لها، ورحل أصحابها مليئون بالغبطة والسرور ليس بالشرط في عدد المنضمين إلى لوائها، وإنما في قناعة المتمثلين لها والمنتظمين تحت لوائها.

وظل الإسلام مع كل ذلك هو الإسلام يزيد ولا ينقص، ويكثر ولا يقل، ويمضي صلابة ولا يضعف، وفترات الطريق لم تزده إلا مضاء في قلوب العالمين، ومن حين أعلن محمد صلى الله عليه وسلم في الأرض قوله: ((يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا))، إلى يومنا هذا لم يحصل أن توقف الإسلام لعائق مهما كان حجمه في الأرض بل ظل يؤكّد على أهله في تلك الفترات الحرجة من حياتهم قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].

إن هذه بعض حقائق الطريق، والإسلام ولد ليحيا، ومهما بلغت عوارض الطريق قوة لن تقوى على إيقاف رحلة هذا الموكب الكبير في الأرض، وإذا كانت هذه بعض الحقائق لا كلها فإن الواجب علينا أن تستقبل كل فواجع الطريق استقبال العارف بها قبل ميلادها لأنها وإن لم تولد هي إلا تلك اللحظة فقد سبقها من يُعرّف بها ويمهد لها الطريق ويسوق معالمها في الأرض، وكل ميلاد لفكرة معارضة للحق ما هو إلا تذكير بعظمة هذا الدين.

وكل إنسان تفجعه الحوادث العارضة وتوقفه عليه أن يعيد صلته بالوحي من جديد، وسيعلم حينها أن الواقع الذي فاته في الأرض هو بقدر الحقيقة التي فاتته من الوحي.

إن واجب كل مصلح أن يدرك أنه لن تأتي اللحظة التي يستقر فيها رحى الإسلام، ولن تهنأ عينه في تاريخه كله مهما طال بزمن يخلو هذا الدين من عدو يطارده ويصاوله، ومن حق هذا الدين علينا أن نخاصم كل فكرة معادية له وننازع استيطانها في الأرض بقدر المستطاع، وأن نحول دونها ودون الواقع بما أوتينا من قوة.

ويجب أن يعلم كل عدو أن ميلاد أي فكرة معارضة للحق إنما هي استنهاض لهمم أصحابه، وبعث لقواهم، وميلاد أنصار جدد لدين الله في الأرض، وحين يرى العدو هذه الحقيقة بعينه وتستوطن قلبه توهن عزيمته، ويفكر في المستقبل ألف مرة قبل أن يدفع بفكرة معادية تستنهض همم الكبار من جديد.

إنني أود أن أقول: إن الإجهاض على هذه الأفكار وحملها على نعش الموت ليس شرطاً أن يتم بقتل الفكرة المعادية ذاتها لأنها قد تستعصي على الموت لقوة أنصارها والمدافعين عن حياتها تلك اللحظة، وإنما يتم بخلق الفرص، واستنهاض الهمم، وبعث القوى الكبرى في حياة كل إنسان لإصلاح واقعه بقدر الإمكان.

وأجزم حينها كم من نفس يأكلها الأسى أن بعثت من خلال فكرتها أنصاراً جدداً للحق، وأحيت بفكرتها قلوباً ذبلت في صنع قرار واقعها؟ وستظل المنن بميلاد الأفكار المعادية للحق أكبر بكثير من كل واقع فرضته في تاريخها لحظة خروجها.

ويجب علينا أن نؤمن مع كل ذلك بقول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: 24- 26].

إن الدين دين الله تعالى، والأفكار المعادية ستظل مهما استعصمت بقرار أصحابها إنما هي من صنع البشر، ويكفي أن نقرأ لحظة ميلاد كل فكرة معادية قول الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 8- 9].
 

 
2187
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر