الأثنين  
1441/03/21
هـ  
 الموافق:    2019/11/18م    
 
ركن الأسرة
   
أبناء وبنات
   
الأبناء والعقد النفسية
الأبناء والعقدة النفسية

ربيتُ أنا خمسةَ أطفال حتى وصلوا إلى سِنِّ الشباب، وشَهِدتُ نشأة الصغار من أقربائي، وسمعتُ مشكلات الأمهات مع أبنائهن، وناقشتُ المربين في طُرُق التربية، واختلطت بالناس ورأيتُ نتائجَ التربية في سلوكهم، فاكتشفت اكتشافًا مهمًّا، بل جوهريًّا في عملية التربية: "العقد النفسية أخطر آفة قد تُصيب أبناءنا" .

وحين سألتني فتاة حديثة الزواج: "ما أهم نصيحة توجِّهينها للأمهات؟".

قلتُ لها بلا تردد: "احذري على ابنك من العُقد النفسيَّة"، بل أقول لكم: "لا ضير إن نشأ الصبي أنانيًّا أو بخيلاً أو طماعًا... مقابل ألا ينشأ معقَّدًا نفسيًّا!".

نعم، هذا ما اكتشفته بالخبرة "العقد النفسيَّة تعني إعاقة دائمة مدى الحياة"، ولا تعجبوا؛ فالعُقَد تجعل صاحبَها متشائمًا، يتوقَّع دائمًا الشرَّ، ويَنتظِر المصائب أن تَحيق به، فلا يُركِّز في أموره، ويتوجَّس من كلِّ شخص يَقترِب منه بأنه سوف يُخبِره بنبأ مُكدِّر، أو يُلفِّق له تهمة، أو يَحيك له مؤامرة، والطفل الذي كان يُخوَّف بالطبيب أو الشرطي، يَظلُّ خائفًا منهما مهما كَبِر، ومهما عَلتْ درجاته العِلميَّة وقيمته الوظيفية".

إن "العقد النفسية" داء مُحبِط ولا علاج له، وهي تُلازِم الإنسان حتى تدخل معه القبرَ، أما الصفات السيئة الأخرى (الغرور، الطمع...)، فإن مرورَ الأيام وازدياد الخبرة بالحياة وتقوية الارتباط بالله لكفيلة بإزالتها - إن شاء الله.

"العُقَد النفسيَّة" أعيَتْ مَن يداويها، وإذا أردتِ أن يكونَ ابنك "رجلاً ناضجًا يُعتمَد عليه"، فإياك ثم إياك أن تُحمِّليه "العقد النفسية" أو واحدة منها، فلا شيء يُفسِد الرجلَ أكثر من "العقد"، وصاحب "العقدة" لا يكون إنسانًا سويًّا، ولا يكون متوازنًا ولا عادلاً، ولا يستطيع أحد أن يُقدِّر كيف سيكون ردُّ فِعْله وحجم تجاوبه (مع ظروف الحياة اليومية)، ويكون تفاعُله غير متساوٍ مع الحدث فيُحمِّل الأمور فوق طاقتها، ويَفْهمها على غير حقيقتها، وتأخذه عقدته بعيدًا عن لبِّ القضية.

والرجل المعقَّد نفسيًّا تَكثُر ثوراته وسقطاته، ويكون مُتحفِّزًا فيغضب فجأة إن مسَّ أحد عقدته ولو مسًّا خفيفًا، فمثلاً لو شعر شاب بأنه "جبان ومتخاذل"، وتحوَّل شعوره إلى "عقدة نفسية"، فإن مِثْل هذا لو قيل له على سبيل الدُّعابة: "أنت غير قادر على التصرُّف"، أو "سلوكك يُفسر ضعفًا وخَوَرًا"، فإنه سيتأثَّر كثيرًا ويتألَّم ويُحبَط، وسيتراجعُ أدَاؤُه لأيام، صدِّقوني.

ولو قالت له زوجته - مستقبلاً - عَقِب خلافٍ بسيط: "لو كنت رجلاً، طلقني"، فإنه سيُطلِّقها فورًا لينفي الجبنَ والترددَ عن نفسه، ولو قال له أقرانه: "لماذا لا تشاركنا التدخين وكلنا ندخِّن إلا أنت؟ فهل تخاف من والدك؟" فإنه سيستجيب ويُدخِّن (ولن يُبالي بمبادئه!)؛ لأنهم لامسوا جُرْحَه، ودخلوا إليه من نقطة ضَعْفه.

فأي قوة للعُقْدة النفسيَّة وأي سيطرة! وإنها لتمنع التفكيرَ السليم وتؤدي إلى التهلكة، وتُفقِد المرء الحِلْم والحكمةَ، وهما من صفات الرجولة الرئيسيَّة.

والمعقَّد نفسيًّا يُحمِّل كلَّ الناس مسؤولية ما حدث له في الماضي، وما يحدث له الآن، وما سيَحدُث له في المستقبل، ويَنتقِم منهم في كلامه وسلوكه، وتكون ردود فِعْله أن يَحتقِر ويتكبَّر أو يُفحِش في القول ويَنتقِص من الناس ويُكثِر اللومَ، أو يتصرَّف بلا مبالاة، أو ينزوي وحيدًا كالأطفال ويتهرَّب من المسؤولية، وهذه الصفات قادحة، وهي تَجْرح الرجولةَ وتَخدِشها.

والعُقْدة هي ما تَغلغَل في النَّفس وظهر في السلوك بشكل دائم، وبالتالي لا يعتبر "أي سلوك شاذ" عقدة نفسيَّة؛ إذ جاء في مباحث عِلْم النفس: "الفرد السوي ليس هو الخالي من العيوب، بل هو الشخص الذي يستطيع - تعويضًا عن عيوبه - الإفادة من مزاياه، وهو الذي يستطيع أن يُصحِّح أخطاءه، ويتحكَّم في اتجاهاته تحت الظروف العادية، وهو الذي يُدير أوجهَ ضَعْفه وقوته بحيث يتلاءم ويتكيَّف مع البيئة".

فكلنا نتصرَّف أحيانًا قليلة بطريقة شاذة أو غريبة، وهذا عَارِض طبيعي، والمهم ألا يصبح الشذوذ والغرابة صفة دائمة، وأوضِّح "العقدة النفسية" بمثال، والمثال نفسه سيُبيِّن الفرقَ بين العارض الطبيعي الذي ينتاب كلَّ إنسان وبين "العقدة النفسية" التي تُلازِم بعض الناس:

الإنسان بشر يتضايق ويَحقِد ويكره ويغضب ويخاف، وقد يَحقِد على معلِّمه؛ لأنه ضربه أمام زملائه ظُلْمًا، وأهان كرامته، وقد يُقاطِع أمَّه؛ لأنها خانت أباه، ويَخجَل من قرابتها منه، وقد يكره ابن عمه؛ لأنه يتكبَّر عليه بماله، ولكن إذا وصل الأمر به لأن يَحقِد على كل معلم، أو يشك في كل امرأة، أو يشعر بالنقص أمام الأثرياء، ويَكْره كلَّ غني في العالم، فهذه هي "العقدة النفسيَّة".

والشخص السوي يستطيع أن يرى نفسه والعالَمَ بصورة صحيحة مستقلَّة عن شخصيته وحاجاته، فيَحتفِظ بتماسك مستمرٍّ يُبقي نفسيَّته سليمة وسلوكه معقولاً، وأفكاره مقبولة.

ولكي تربِّي طفلاً سويًّا (خاليًا من العقد) عليك أن تكوني - أنت وزوجك - أسوياء! - واعذِراني في هذا - فتنبِذا رواسبَ الطفولة وآلام الماضي، وتتصرَّفا بعقل وعدل ونُضْج مع أطفالكما، وتتَّبِعا السبيلَ الصحيح في التربية والتوجيه.

ستسألين: كيف؟ وسأقولها لك باختصار:

أظهري اهتمامَك بطفلك قبل أن يضطرَّ هو للفتِ انتباهك إليه، أشعِرِيه بحبك الخالص الصادق فيسترخي، وبالأمن فيطمئن، وبالقَبُول فيرضى عن ذاته، وبالمساواة بينه وبين إخوته فيشعر بالعدل ولا يَغار، وبالتقدير وبالاحترام فيَثِق بنفسه وترتفع معنوياته، وتَسَامَحي معه حين يخطئ فيصبر ويَحتمِل.

 
1330
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر