السبت  
1441/04/17
هـ  
 الموافق:    2019/12/14م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
بين الثأر والنار
بين الثأر والنار

طافت المرأة المكلومة في سوق عكاظ تندب أخاها صخر القتيل، وتبكيه وتناديه وتذكر كل جميل فيه .

فإذا ذكرت اخاها معاوية القتيل الثاني انطلق لسانها بالرثاء والشعراء يستمعون إلى قصائدها وقد أيقنوا أنها أشعرهم وأصدقهم عاطفة وأبلغهم عبارة .

ويلتقي الناس هذه الشاعرة وهي تطوف حول الكعبة محلوقة الرأس وقد علقت في خمارها حذاء أخيها صخر، وهي على حالها من الحداد والحزن المقيم.

 لم تكن تلك المرأة الشجوب سوى " الخنساء " تماضر بنت عمرو الأسلمية، شاعرة سوق عكاظ المفجوعة في أخويها معاوية وصخر، وقد قتلا في إحدى حروب الجاهلية ، تلك الحروب التي كانت تقوم لأتفه الأسباب، وتأكل الأخضر واليابس وتفني الشباب والذراري ، وتذل النساء وقد غدون ما بين سبيّة أو ثكلى او فاقدة أو أرملة .

وها هي الخنساء الشاعرة العربية تنثر دموعها قصائد نديّة الأحاسيس تقطر من دم قلبها الجريح تعبّر عن حزنها بعبارتها البديعة الرقيقة ، ولسانها العفيف وأنفتها الكريمة.

وتمرّ الايّام وإذ بها تقدم مع قومها من بادية بني سليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلم لله رب العالمين.

وتنقلب حالها بعد الإسلام وقد أشبع قلبها بحب الله ورسوله ، واستيقنت نفسها الكريمة ان هذا الدين الكريم حق وأن هذا القرآن العظيم ببلاغته وجمال عبارته وحسن خطابه وتنوعه لا يمكن أن يكون كلام بشر.

وقد عرفت وهي الشاعرة البليغة الفصيحة المبدعة أن بلاغتها تقف عاجزة أمام هذه المعجزة الربّانية فاستكانت نفسها لكلمات الله البديعة الطيبة وحسن إسلام الخنساء، وارتقت بعبارتها الأدبية بما يتوافق مع عقيدتها ودينها القويم وانطلقت تنشد قصائدها الرزينة امام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئ نحوها استحسانا لجزالة عبارتها وجميل معانيها قائلا: ( هيه يا خناس ) وظلّت الخنساء تبكي أخويها وعلى وجه الخصوص أخاها صخر، وهي تذكر نبله وكرمه وكأنها تطلب من التاريخ أن يعذر حزنها ولوعتها ، وهي ترثي فيه كلّ حسن جميل.

ولما تولى عمر الخلافة أشار عليه بعض النّاس أن ينهاها مخافة أن تداخل نفسها بعض الجاهلية فيقول لها : اتقي الله وأيقني بالموت فقالت: أنا أبكي أبي وخيري مضر: صخرًا ومعاوية، وإني لموقنة بالموت، فقال عمر: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار؟ فقالت: ذاك أشد لبكائي عليهم؛ فكأن عمر رق لها فقال: خلوا عجوزكم لا أبا لكم، فكل امرئ يبكي شجوه ونام الخلي عن بكاء الشجي.

واشتهرت مقولتها حين عاتبها المقرّبون لكثرة بكاءها على صخر وقد أسلمت وهو قد مات على جاهليته فقالت: كنت أبكي له من الثأر واليوم أبكي له من النار.

وتحدثنا أوراق التاريخ عن هذه الصحابية الشاعرة اللبيبة كيف غير الإسلام نظرتها إلى الموت والحياة كما غيّر كل سلوكيات الجاهلية في شخصيتها ولسانها.

ويحدّثنا التاريخ عن هذه المرأة المؤمنة الصادقة ، وهي تدفع بأولادها الأربعة إلى ميدان الجهاد في سبيل الله ، وتطالبهم أن يحرصوا على الشهادة ولا ينكصوا على أعقابهم، مذكرة إياهم بثواب الله وشرف الشهادة لهم ولها فتخاطبهم قائلة يوم القادسيّة : " يا بني إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين.

واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله عزَّ وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 200].

فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين. وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة" .

وتطير أنباء النّصر إلى الفاروق فتقر عينه بفضل الله ونصره ،ويحمل إلى الخنساء نبأ استشهاد اولا دها الأربعة فتحتسبهم عند الله ، فلا نواح ولا رثاء ولا جزع ، بل شكر وفخر ورجاء، فتقول لعمر رضي الله عنه وقدجاءها معزيا بهم : "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".

وفي كل عصر وزمان من عصور الأمة الإسلامية ظلّت الخنساء مثلا يحتذى في الصبر والثبات والاحتساب، حتى يومنا هذا ، وأينا لا يعرف خنساء فلسطين أم الشهداء ام نضال فرحات التي قدمت أولادها شهداء ، صابرة راضية بقضاء الله دفاعاً عن الأقصى الأسير، أعظم الله أجرها وثوابها .

اللهم إنا نسألك الشهادة بصدق فبلغنا اللهم منازل الشهداء بفضلك يا رب العالمين.

 
2174
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر