السبت  
1440/12/23
هـ  
 الموافق:    2019/08/24م    
 
ركن الأسرة
   
أبناء وبنات
   
اعترافات إلى والدتي
اعترافات إلى والدتي

كان لي حِضنُك سكنًا وبساطًا مِن الأمان، كلما سلمتْ عليك قُبلة الجَبين، لا أحمل نفسي من أمامك إلا وأنا أحضُنك؛ لأنه دورك في أن أحيطَكِ بتلك العِناية التي حظيتُ بها وأنا صغيرة لم أعِ بعدُ مفاهيم الحياة وخُطوبها، فكنتِ بعد الله دِرعي الواقي من الأذى، من الألم، من المرض، حتى مِن نسمات البرد.

لكَم كان خوفك عليَّ كبيرًا؛ لأنها الأمومة وواجب الفِطرة فيك أن تفديني بروحك، فألف تحية تقدير لكل الأمهات بدايةً.

أدركتُ حديث الحَبيب المصطفى عنك في أنك الأحق بالصداقة ثلاثًا، أن أمك ثم أمك ثم أمك، ترتيبًا يبعث في نفسي شعورًا بقيمتِك عند الله أن رضاه من رضاك، يا ألله على هذه الحظوة الربانية التي حظيتِ بها، وبإقرار بكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يَنطِق عن الهوى، اللهمَّ صل وسلم وبارك عليه.

 أحوم اللحظةَ مِن حول قامتك لأبدأ كلامًا حلوًا طيبًا عنك، في مُجالستي لكِ ألف راحة وطمأنينة؛ لأن الكلام الذي سأستقبله منك فيه الحكمة والرأي والنصيحة والمشورة، فيه ذاك البلسم الذي تُحيطينني به مِن غير أن تُشعريني أنك تَفهمين تقصيري لك.

فأنتِ تَقرئين أفكاري في عُيوني بنظرات خاطِفة منك حتى لا أتحسَّس منك أنك بحاجة إلى اهتمام مني، وهذا هو كبرياء القوة فيك، لم أفهَم أنك تَكتُمين هفواتي بصمتٍ طويل المدى، ولستِ بناطقة به مهما مرَّ الوقت ومهما كان الظرف مُلائمًا؛ لأنك تُضحِّين في ألّا تأخُذي حقَّك مني.

يا الله! كم كان لشخصيتك دفْء ووقار وحِلم مهما بدر مني مِن أخطاء! لا أعرف إن كانت كل الأمهات يَشترِكن في هذه الحكمة، حِكمة الصمتِ، وتَجاوُز تقصير فلذات أكبادهن عنهنَّ.

لا زلتُ أعتبِر نفسي طِفلة أمامك مهما كبرتُ؛ لأني أحبُّ أن أبقى بريئة بطفولة مرَّ زمانها وانتهى، لكن وصالي بك يدفعُني أن أقوم ببعض سلوكات الشقاوة؛ ربما لأُشعِرَك أني لا زلت تحت سلطتك وولائك لي، وهو حقًّا كذلك؛ ربما لأبعث ابتسامة رضا منك في أني لا أَقدِر على إزعاجك، ولا أتطوَّع في غضبك، ولا أقوى على البُعدِ عنك، وإن كان حقيقةً في البُعد ألفُ مرارة، لكنه القدر، فرجائي أن تُسامحيني عن أي تحية لم ألقِ بها في أي إصباح، وعن تفريطي في الإكثار من مجالستِك، لستُ أقوى على محاسبة نفسي لأنه من المفروض لا حساب بل عطاء يَحدوه عطاء آخر؛ لأنك تستحقين الأكثر فالأكثر والأكثر.

وحتى لا أُصاب بغرور الإعجاب منك؛ كنتِ لا تُصرِّحين عن رضاك حتى أبذل المزيد من الجهد في تقويم ذاتي، وهو واجب انفصَلَ عنكِ لما رأيتني كبرت، بقي لك أن تُتابعي بقليل من اليقظة فيما كان المسار جيد الخُطى؛ لكنك تُسارعين في النقد الكثير والذي كنتُ أظنُّه ملامًا أكثر منه مرادًا، لكنه في الحقيقة تعبير منك عن ذاك الحب والخوف الكبيرَين منك، ولكن بأسلوب الأمهات القديرات.

حتى لما اقترَب الكبر منك، في قرارة نفسك تُريدين الاهتمام أكثر، لكنك عمرَك ما طلبتِ حقًّا لك، على الرغم مِن أن كل الحقوق هي لك؛ فأنت مَن عانَيتِ الألم والسهَرَ والتطوع حتى أكبر أمام عينَيكِ، ويَحصُل فطام الفكر والرأي والقرار، ما أعظمك بعد الله! صدقًا ما أعظمك.

كيف لي أن أردَّ لك جميل الصنعِ، لا أقدر مهما حاولت، بل أعجز أمام قوة شخصيتِك وأمام صبرك وأمام تحمُّلك، يا ألله على جَمال الرضا في بسمة خفيفة وهدوءُ الفِكر يجول في مخيلتك ولَيتني أكتشِف المخفيَّ منه، ليتَني أفهم كل هذا الكم الهائل من الحنان والحب، هل هو نداء الأمومة لا يُلغيه عنك أحد حتى لو نافسَكِ الوالد فيه؟ أم هي العاطفة التي منَحَها الله لحواء لما خُلقت من آدم وهو نائم؟ وهنا مكمَنُ الحكمة في عطائك المستمر دونما شكوى أو تذمُّر أو ملل، ماذا تستحقين شكرًا لك؟!

تستحقِّين وسامًا أُلبِسك إياه على عنقك، تستحقِّين مني فداءً بروحي، وسامًا من نوع آخر، وإن كنت لا أقدر على أن أرد الجميل بما يليق بدرجة عطائه منك؛ لذلك سأقبِّل جبينك وأطلب منك أن تُسامِحيني؛ لأنها حقيقة أقرُّ بها لك، ولستُ أُغيِّرها بحقيقة أخرى؛ لأني سأظلُّ مُقصِّرةً في حقِّك مهما قمتُ بواجبي، فأرجو أن تُسامحِيني.

من ابنتك المحبة.

 
1437
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر