الجمعة  
1440/12/22
هـ  
 الموافق:    2019/08/23م    
 
ركن الأسرة
   
أبناء وبنات
   
تمنيت أن أحبك يا أبي
تمنيت أن أحبك يا أبي

كلما هم بالخروج تهلّلت أساريرُ الصبية! وعمَّ البيتَ السرور، ستتنفس قلوبهم الصغيرة الصُّعَداء، وترتاح نفوسهم من هذا الذي يجثم عليها، ويسمونه قسرًا "أبا"!

كم كان مزهوًّا بجبروته، معتزًّا ببسطة جسمه، مغرورًا بعلوّ صوته، يتلذّذ وهو يرى فرائسها ترتعد من هيبته، يتمايل طربًا وهو يقرأ الرهبة في عيون صغاره، يعلو مُحيَّاه الفخرُ حين يتقمص دور الآمر الناهي في البيت، فلا صغير يجاريه، ولا كبير يدانيه.

 توقع كل شيء إلا أن يلازم هذا الفراش اللعين، لم يَدُرْ بخَلَدِه يومًا أن تتهاوى قوّته، وتتداعى أركان جبروته؛ فيغدو أسيرًا لهذا العدو اللدود الذي يسمونه "عجزًا".

 الآن كلٌّ يصول ويجول بحرية، دماء الحياة سرت مجددًا في هذا البيت الكئيب، بات يرى ضحكات لا عهد له بها، يبصر بعينيه المتعبتين تجمُّعات كانت محظورة إلى عهد قريب، بات يستجدي بنظراته عطف من حوله، فلا كبير أشفق عليه، ولا صغير رأف لحاله، سمع مرة أحد أبنائه يخاطبه:

علّمونا في المدرسة أن نحترم آباءنا؛ فهم سبب وجودنا في الحياة بعد الله تعالى، علمونا أن نطيعهم؛ لأنهم رمز الحنان، وملاذ الأبناء الآمن حين تخنقهم دوّامة الحياة.

لكني يا أبي، لم أشعر بكل ذلك وأنا تحت إمرتك، كنت كما الضابط الذي يحرس سجناءه، لم نشعر معك بالحب ولا الحنان ولا الأمان.

حاولت مرارًا أن أعلم قلبي أن يحبك، لكنه أبى! فالحب سلطان رحيم، يغزو القلوب بلا استئذان، جنوده الرحمة ولين الكلام وطيب الفعال، وأنت يا أبي، تجرّدت من كل ذلك، كلماتُك اليسيرة التي ما فتئت تردّدها علينا ما زالت تطرق أذني: (ماذا تفعل يا كلب؟!) (أطفئ السراج يا وغد) (اسكت يا...).

كانت كلماتك رصاصات تخترق قلوبنا؛ فتدمّر فيها كل خلايا التعاطف معك، كنت دومًا أخشى أن يباغتك الموت فلا أذرف عليك دمعًا، فيصفني الناس بالعقوق، تمنيت أن يغيّر الله من حالك حتى أحبَّك، فأنت أبي، ويجب أن أحبك، لكنك للأسف لم تدفعني لهذا الحب! بل كنت تزجرني عنه في كل حلّك وترحالك!

كانت كلمات ابنه خناجرَ تزيد جسمه الكسيح ألمًا، تمنى لو أن يد المنون سبقت قبل أن تغتاله كلمات ابنه المكلوم! ترك دموعه هذه المرةَ تنهمر، وهو الذي ما ذرفها يومًا حتى في أحلك الظروف، مشهد لم يألفه من بالبيت؛ كاد يحرّك المشاعر الجامدة لولا أنه أتى متأخرًا عشرات السنين.

 
1893
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر