الجمعة  
1441/04/09
هـ  
 الموافق:    2019/12/06م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
درس في الحس الجمالي
درس في الحس الجمالي

كان السرادق مجهزاً بكل وسائل الراحة والزينة، فالأثاث الجميل والرياش والطنافس تحف به.. من كل جوانبه.

وهناك في صدر المجلس، جلس القائد على سرير مرتفع.. والناس بين يديه واقفون تعظيماً وتبجيلاً.

كل ما في المكان يؤكد تقسيم الناس إلى طبقات، وتحصل كل طبقة على الرفاهية بما يتناسب مع مكانتها.. كان ذلك واضحاً من اللباس الذي يرتديه كل فريق.. ومن سحن الوجوه وأشكالها.

كان بعضهم أرباباً.. وبعضهم عبيداً.

ودخل السرادق، غير مكترث بشيء.. لم يأخذه لمعان الحرير، ولا بريق الوشي الذهبي، ولم ترهبه تلك الهيبة المصطنعة.. ولم يبال بما حشد في ممره من مؤثرات نفسية.. من رجال وعتاد..

كان سيفه، على جنبه، ملفوفاً بخرقة، وكان رمحه في يده، يتوكأ عليه وهو في طريقه إلى صدر المجلس... كثيرة هي تلك الوسائد والطنافس التي حظيت بمداعبة الرمح لها.. فأحدث فيها فتحات تتنفس منها الصعداء.. كان حريصاً على أن يمهر كل تلك الأشياء بخاتم رمحه.. علَّها تستيقظ من سباتها فتستنكر وجودها في غير مكانها..

كانت الدهشة على وجوه الجميع...

يا له من أعرابي لا يعرف للأشياء قيمتها، ولا يعرف الجمال إلى نفسه سبيلاً، ولا يقيم للذوق والأعراف وزناً. ولو عرف نفاسة تلك الأشياء لكان أكثر تقديراً لها ولترفق بها فلم يلمسها بيده فضلاً عن أن يمزقها برمحه..

كان كل واحد من القوم يحدث نفسه بهذا الحديث.. وكان ينتهي إلى تلك النتيجة.. إنها فساد الذوق لدى هذا الأعرابي!!

ذلك جانب من مشهد ربعي بن عامر - سفير المسلمين - في سرادق الفرس قبل بدء معركة القادسية..

هل كان ربعي لا يدري القيم الجمالية.. فكان تصرفه تصرف من حرم الحس الجمالي؟.

إن الجمال هو حصيلة علاقات من تناسق وتنظيم وتناسب وملاءمة.. فإذا توفرت أو توفر بعضها فثم جمال.. وإلا فلا..

إن ميدان الحرب الذي تزهق فيه الأرواح، وتمرق فيه الأجساد، ويتحول فيه الإنسان إلى أشلاء.. والذي كل ما فيه يعبر عن الخشونة والقسوة والشدة.. ويعني الجد في العمل والصبر على المكاره.. هذا الميدان لا يقبل الرفاهية، وليس معرضاً لوسائلها. إنها أشياء قد تكون جميلة بحد ذاتها ولكنها في هذا الموطن غير جميلة.

أليست الابتسامة مطلوبة على الشفاه «وتبسمك في وجه أخيك صدقة» ولكن هذه الابتسامة غير جميلة بل هي قبيحة إذا كانت في مأتم أو تعزية بفقيد.. لأنها في جو غير مناسب.. إنها القبح بعينه حينئذ.

إنه درس في الجمال يلقيه ربعي في سرادق الفرس. ودرس في الحكمة. والحكمة هي وضع الشيء في مكانه المناسب.

كان ربعي يقدر ما يدور في نفوس القوم. إذ كانوا يظنون بالمسلمين أنهم يركضون خلف المتاع.. فلما أتلف تلك الأشياء المغرية بالطمع عرفهم أن قصد المسلمين هو فوق هذا الحطام الزائل.. إنه درس في سمو المقصد ونبل الغاية.

أليس هذا هو الجمال؟!

 
2166
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر