الثلاثاء  
1438/12/28
هـ  
 الموافق:    2017/09/19م    
 
مختارات علمية
   
مسائل فقهية
   
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه
ما حرم أخذه حرم إعطاؤه

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأوليين و الآخرين وعلى آله وصحبه أجميعن .

أما بعد: فهذا بحث يسير للقاعدة المتفق عليها وهي [ ما حرم اخذه حرم إعطاؤه ] والتي قد نص عليها عدد من أهل العلم في كتبهم ومصنفاتهم ، واستدلوا بها ، وخرجوا عليها عددا لا يحصى من المسائل الفقهية الجزئية .

أولاً : المعنى الافرادي للقاعدة : من عادة العلماء رحمهم الله تعالى قديماً وحديثاً البدء بتعريف الشيء قبل الخوض في أصوله وفروعه من حيث اللغة و الاصطلاح.

وبين يديك أخي القارئ ثلاث مفردات وهي : [ حرم ـ الأخذ ـ الإعطاء ] فإليك معنى كل لفظ من هذه الالفاظ :

حرم : الْحَاءُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالتَّشْدِيدُ.

فَالْحَرَامُ: ضِدُّ الْحَلَالِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء: 95] .

الأخذ : لْهَمْزَةُ وَالْخَاءُ وَالذَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ تَتَفَرَّعُ مِنْهُ فُرُوعٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى والأَخْذ خِلافَ العَطَاءِ، وَهُوَ أَيضاً (التَّنَاولُ) ، كَمَا فِي الصِّحَاح والمصباح والأَساس، وَقَالَ بعضُهم: الأَخْذُ: حَوْزُ الشيْء. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ فِي الأَصْلِ بمعنَى القَهْرِ والغَلَبةِ، واشتَهَر فِي الإِهلاكِ والاستِئصالِ .

الاعطاء : الْعَيْنُ وَالطَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى أَخْذٍ وَمُنَاوَلَةٍ، لَا يُخْرِجُ الْبَابُ عَنْهُمَا. فَالْعَطْوُ: التَّنَاوُلُ بِالْيَدِ .

ثانياً : المعنى الاجمالي للقاعدة معنى هَذِه الْقَاعِدَة أَن الشَّيْء الْمحرم الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يَأْخُذهُ ويستفيد مِنْهُ يحرم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقدمهُ لغيره وَيُعْطِيه إِيَّاه سَوَاء أَكَانَ على سَبِيل المنحة ابْتِدَاء أم على سَبِيل الْمُقَابلَة، وَذَلِكَ لِأَن إعطاءه الْغَيْر عندئذ يكون من قبيل الدعْوَة إِلَى الْمحرم أَو الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، فَيكون الْمُعْطِي شريك الْفَاعِل.

وَمن الْمُقَرّر شرعا أَنه كَمَا لَا يجوز فعل الْحَرَام لَا يجوز الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، لقَوْله تَعَالَى: {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان} .

ثالثاً : أدلة القاعدة لنعلم علم اليقين أن العلماء لم يأتوا بهذه القواعد من تلقاء انفسهم واهوائهم وإنما أتو بها من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم , إذ أننا متعبدون بإتباع ما أمرنا الله به و هو الدليل لقوله تعالى (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة : 111] فمن أدلة هذه القاعدة :

اولاً : قَوْله تَعَالَى: {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان} [ المائدة :2 ] فالشَّيْء الْمحرم الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يَأْخُذهُ ويستفيد مِنْهُ يحرم عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقدمهُ لغيره وَيُعْطِيه إِيَّاه سَوَاء أَكَانَ على سَبِيل المنحة ابْتِدَاء أم على سَبِيل الْمُقَابلَة، وَذَلِكَ لِأَن إعطاءه الْغَيْر عندئذ يكون من قبيل الدعْوَة إِلَى الْمحرم أَو الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ، فَيكون الْمُعْطِي شريك الْفَاعِل. وَمن الْمُقَرّر شرعا أَنه كَمَا لَا يجوز فعل الْحَرَام لَا يجوز الْإِعَانَة والتشجيع عَلَيْهِ .

ثانياً : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه إذا علموا بذلك) قال المناوي في التيسير شرح الجامع الصغير : " وفيه أنّ ما حرم أخذه حرم إعطاؤه وقد عدّها الفقهاء من القواعد وفرّعوا عليها كثيرا من الأحكام" .

ثالثاً : حديث أنس رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له ) . سنن ابي داود ووجه الاستدلال منه : أنه قد ورد في هذا الحديث لعن طالب الخمر عصرا أو شربا أو شراء ولعن باذلها عصرا أو بيعا أو حملا واللعن دليل على التحريم مما يدل على أن ما حرم أخذه حرم إعطاؤه .

رابعاً : شروط القاعدة فبعد الاستقراء و البحث و اندراج هذه القاعدة تحت [ جلب المصالح ودفع المفاسد ] فان ما تم شرطه في هذه القاعدة ينزَّل منزلة العموم عليها الا ما يستثنى منها وهذه الشروط هي :

1- أن يغلب على الظن وجود المصلحة , فلا تكون متوهمة أو مشكوك فيها .

2- أن تكون المصلحة في الكليات الخمس ( الدين , النفس , المال , العقل , العرض ) .

3- أن تتفق مع أصول وقواعد و مقاصد الشريعة .

4- ألا تعار نصاً و إجماعاً .

5- ألا تكون في العبادات .

خامساً : فروع القاعدة لهذه القاعدة الفقهية فروع كثيرة جدا قد ذكرها اهل العلم ومن تلك الفروع :

1- الربا حكم الربا الحرمة إجماعا ، لتظافر النصوص على التحريم ومنها قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة : 275] ، وقوله عليه الصلاة و السلام في رواية جابر عنه : "لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء" ، ثم الإجماع على ذلك . فلا يجوز إعطاء الربا لشمول اللعن النبوي الآكل والموكل .

2- الرشوة نص الزركشي و السيوطي و ابن نجيم على أن إعطاء الرشوة مما تخرج على هذه القاعدة، والأصل في تحريم الرشوة قوله عليه الصلاة والسلام : "لعن الله الراشي والمرتشي" .

والإجماع . وقال أبو محمد بن حزم : " وَلاَ تَحِلُّ الرِّشْوَةُ: وَهِيَ مَا أَعْطَاهُ الْمَرْءُ لِيُحْكَمَ لَهُ بِبَاطِلٍ، أَوْ لِيُوَلِّيَ وِلاَيَةً أَوْ لِيُظْلَمَ لَهُ إنْسَانٌ فَهَذَا يَأْثَمُ الْمُعْطِي وَالآخِذُ" .

3- المخدرات ثبت من جهة الشرع تحريم المسكرات جميعها ، وفي الحديث الصحيح : " كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام" .

وبما أن الحكم بالحرمة يتجه إلى تعاطيها فإن اتخاذها حرام أيضا لما فيه من وسيلة إلى استعمالها، وكل ما حرم اتخاذه حرم إعطائه لما في ذلك من التعاون على الإثم المنهي عنه شرعا . سادساً : مستثنيات القاعدة لهذه القاعدة التي نحن بصددها مستثنيات عدة ، بل لا تكاد تخلو صورة من مستثنى ، ذلك لأنها قاعدة شديدة التعلق بمصالح الناس وتدبير أحوالهم .

والمعنى الجامع لهذه المستثنيات يرجع إلى قاعدة رفع الضرر ـ وهي قاعدة فقهية كبرى ، فكل صورة من صور هذه القاعدة إن تسببت في إيقاع ضرر بآحاد الناس : انتقل إلى العمل بالرخصة (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة : 286] .

أولاً : الرشوة، فقد سبق أن قررنا أن حكمها التحريم ، فكما لا يجوز أخذها لا يجوز إعطاؤها ، لكننا نرى البعض من الناس يتضرر من ذلك ، لما في المجتمع من انحراف ألجأهم إلى الاحتيال على الناس ، وابتزازهم في أرزاقهم وحقوقهم ، فصار الظالم مظلوما ، والجاني ضحية ... فقال الموقعون عن الله لا بأس ـ والحالة هذه ـ من إعطاء الرشوة لاسترداد حق ، يقول ابن حزم ـ رحمه الله ـ :" فأما مَنْ مُنِعَ مِنْ حَقِّهِ فَأَعْطَى لِيَدْفَعَ، عَنْ نَفْسِهِ الظُّلْمَ فَذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْمُعْطِي وَأَمَّا الآخِذُ فَآثِمٌ .

ثانياً : الربا ، فإن حكم أخذها للمضطر ـ اضطرارا معتبرا ـ لها حكم المضطر إلى الرشوة ، لا فرق في ذلك ، قال في غمز عيون البصائر : " وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى الْأَخْذُ بِالرِّبَا لِلْمُحْتَاجِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبَحْرِ ، وَيَحْرُمُ عَلَى الدَّافِعِ الْإِعْطَاءُ بِالرِّبَا" .

ثالثاً : المخدرات ، فإنها داخلة في تركيب أدوية يستنجد بها لمعالجة أدواء مستعصية ، خاصة تلك التي لها اتصال بالنفس البشرية من حالات الاضطراب والهيجان والرهاب والهيستيريا .

الخاتمة : فبعد بحث هذه القاعدة الفقهية الجليلة «ما حرم أخذه حرم إعطاؤه» تأصيلا وتطبيقا ، وبيانٌ لمعناها وشروطها ، وبيان ما استندت إليه من أدلة الشرع واضحة الدلالة على المقصود ، ثم النظر في بعض ما تفرع عنها من جزئيات فقهية ـ بما يسره الله لي من أدوات البحث إذ الخطب جليل والآلة ضعيفة ، وكان الأمر لله فإنني توصلت إلى ما يلي :

أ ـ أن هذه القاعدة قاعدة جليلة القدر ، تضبط أبوابا من العلم كثيرة ، وتقيم أمر الدين والدنيا بميزان من العدل ينظر في مآلات الأمور .

ب ـ أن هذه القاعدة تندرج تحت باب [ جلب المصالح ودفع المفاسد ] وهو من أعظم أبواب الشريعة أثراً ، وأكثرها خطراً ، ذلك أن إشاعة ما حرم بين الناس مظنة لجلب أصناف المضار على الأفراد والمجتمع.

ج ـ أن هذه القاعدة محل اتفاق بين أهل العلم على اختلاف مذاهبهم .

د ـ يجب على الباحثين الاهتمام بهذه القاعدة و إعطاؤها مزيد اهتمام و اسهاب , فبحسب اطلاعي و بحثي لم أجد لهذه القاعدة من يطيل النفس فيها .

وأخيراً: احمد الله على إتمام هذا البحث سائلاً المولى جل وعلا التوفيق و السداد والقبول، فإن أصبت فمن الله وحده , وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله من كل نقص وزلل.. والحمد لله رب العالمين . 

 
3179
 
 
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ