الجمعة  
1440/11/17
هـ  
 الموافق:    2019/07/19م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
أعظم ريحانة
أعظم ريحانة

الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، والصلاة والسلام على نبينا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة .

وبعد.. حديثي إليكم عن أعظم ريحانةٌ في هذه الحياة، التي طالما سهرت من أجل أن تنام وطالما تعبت من أجل أن ترتاح وتسعد.

حديثي إليكم عن مربية الأجيال ومعدة الأبطال وصانعة الرجال " إنها الأم " نعم الأم، فإذا أردت الصحة والمال والعافية والبركة في العلم والفكر والأولاد فعليك ببر أمك ، وكيف يرجون السعادة والراحة أولئك الذين ليس للأم مكانة عندهم لا في بيتٍ ولا في سيارةٍ ولا في سفرٍ ولا في راتبٍ ولا في مجلسٍ .

وإليكم هذا الحديث العظيم الذي طالما سمعناه ولكن هل فهمنا معناه ، ففي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له يا رسول الله : من أحق الناس بحسن صحبتي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ( أُمك ) فقال ثم من ؟ قال ( أُمك ) فقال ثم من ؟ قال ( أُمك ) فقال ثم من ؟ قال ( أبوك ) فهل تأملنا لماذا هذا التكرار ؟.

أما الأولى : فلكي نتذكر وإياك ذلك البطن الذي كنت فيه تتقلب فيه ، فكم أحس بالتعب والإرهاق تأكل من أكلها وتشرب من شرابها ومع ذلك هي مسورة تتمنى تلك الساعة التي تخرج فيها إلى هذه الدنيا بعدما قضيت في هذا البطن ما يقارب مائتان وسبعون يوماً.

وأما الثانية : لكي نتذكر وإياك أعظم مهمة لأمهاتنا وهي مرحلة آلام الوضع والولادة وهي المهمة الشاقة التي ربما أدت إلى موت الأم وبقيت حياً بعدها، وهناً على وهن وكرهاً على كره ، وهذا ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلاً يطوف حول الكعبة وعلى ظهره إمرأة عجوز ( منظرٌ عجيب ) فتقدم ابن عمر إلى ذلك الرجل فقال له : من أي الديار ؟ فقال : من خُرسان ، فقال ابن عمر : من هذه ؟ فقال الرجل ( هذه أمي ) أتيت بها من بلاد خُرسان وهي على ظهري وأطوف بها وهي على ظهري وسأعود بها إلى الرحال والبلاد على ظهري.. يا ابن عمر أُتراني قد وفّيت حقها من المعروف والبر الذي عليّ ؟ قال ابن عمر ( لا .. ولا بطلقةٍ واحدةٍ من طلقات وضعك) .

فكم ليلةٍ باتت بثقُلك تشتكي              لها من قلبها أنّةٌ وزفيرُ

وفي الوضع لو تدري عليها مشقةٌ      فمن غُصصٍ منها القلوب تطيرُ

وكم غسّلت عنك الأذى بيمينها          وما حجرها إلا لديك سريرُ

وكم مرةٍ جاعت فأعطتك قوتها        حناناً وإشفاقاً عليك وأنت صغيرُ

فدونك فأرغب في عميم دُعاءها       فأنت لما تدعو إليه فقيرُ

وأما الثالثة : فعندما ترى التجاعيد التي في وجه أمك فتذكر سبعمائة وعشرون يوماً وأنت على صدرها فليست يوماً او يومين ، وتذكر كذلك التعب والسهر والمشقة والتربية ومكابدة الحياة من أجل أن تعيش في سعادة وراحة..

أيها الناس : الأم هي أعظمُ هبةً في هذه الحياة ، وهي الحب إذا ذُكر الحب وهي الجمال عندما يُذكر الجمال ، وهي العطاء إذا ذُكر العطاء ، فإذا أردت أعظم طريق وأقصر طريق إلى الجنة فهو طريق الأم الغالية والبرُ بها ، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية بن جاهمة عندما أراد الغزو ( أِأُمك حيّة؟) قال : نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم (إلزم رجليها فإنّ الجنة تحت قدميها ).

ودائماً ننظر إلى الشموخ في الإرتفاع إلا عند الأم فكلما نزلت فأنت شامخٌ وكلما تواضعت فأنت شامخٌ .. قال الله تعالى: ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً )..

عباد الله : البر بالوالدة هو من أسباب مغفرة الذنوب ، جاء رجلٌ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : أذنبتُ ذنباً ، فما قال له رسول الله اذهب وابني مسجداً او اذهب فتصدق بكذا وكذا بل قال له صلى الله عليه وسلم ( أأمك حيّة ؟ ) فقال : لا يا رسول الله ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ( خالتُك حيّة ؟) – لأنها أخت الأم – قال : نعم ، فقال له الرسول ( أذهب إليها وأحسن إليها فيغفر الله لك ) .

وجاء رجلٌ إلى ابن عباس رضي الله عنهما وقال له ( أذنبتُ ذنباً عظيماً) فقال له ابن عباس (أأمك حيّة ؟) فقال ( لا ) فقال ابن عباس ( استغفر الله ) فجاء عطاء بن ابي رباح إلى ابن عباس رضي الله عنهما وقال له ( يا ابن عباس لماذا سألته عن أمه ؟) قال ابن عباس كلمةٌ عظيمة ( والله لا أعلم عملاً أقربُ وأحبُ إلى الله تعالى من بِر الوالدة ) .

وجاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له (أذنبتُ ذنباً ) فقال له ( أأمك حيّة ؟) فقال (لا .. بل أبي على قيد الحياة ) فقال عمر: ( اذهب إليه وأحسن إليه فسيغفر الله ذنبك ) فلما ذهب الرجل قال عمر: ( والذي نفس عمر بيده لو كانت أمه حيّة فبرّها وأحسن إليها رجوت أّلا تطعمه النارُ أبداً ) .

عباد الله : دعاء الوالدة مستجاب ، فهذا جبريل عليه السلام ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ليخبره ( أن هناك في أمداد أهل اليمن رجلٌ يسمى أويس القرني باراً بأمّه لم يمنعه من الوصول إليك إلا أمه ) فقال صلى الله عليه وسلم: ( أويس القرني لو أقسم على الله لأبرّه ) بل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم كل من يقابل أويس أن يطلب منه أن يستغفر له قال صلى الله عليه وسلم : ( فإن دعوته مستجابة ).

وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ( رجُلان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أبرّ الناس بأُمهاتهم هما : عثمان بن عفان والحارثة بن النعمان ) أما عثمان فله مع أمه برٌ خاص يقول: ( ما استطعت أن أتأمل في وجه أمي منذ أن أسلمت حياءً وخجلاً وخوفاً أن تكون نظرة من النظرات عقوق ).

وأما الحارثة بن النعمان فكان يُفلي رأس أمه وكان يضع اللقمة في فيّ أمه ، وعندما صعد الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء والمعراج سمع صوت قراءة في الجنة فقال لجبريل (لمن هذا الصوت ) فقال جبريل: ( هذا صوت الحارثة بن النعمان ) فقال صلى الله عليه وسلم: ( ذلكم البر ذلكم البر ) رغم أنه مات شهيداً في بدر ، وقال عنه جبريل: ( هذا رجلٌ من المئة الذين رزقهم في الجنة على الله ) .

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام نسألك أن ترزقنا البر بآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهما كما ربياناً صغاراً، وارزقنا برهما احياء وأمواتاً، اللهم أجزهم عنا خير الجزاء، اللهم من كان مهم ميتاً فاغفر له وارحمه ومن كان منهم حياً فبارك له في عمره وصحته على طاعتك .

 
2185
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر