الأحد  
1439/01/04
هـ  
 الموافق:    2017/09/24م    
 
الملكة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

لم يكن مسمى الملكة مجرد لقب يكتب أو تقال فيه المدائح والقصائد، بل لو تأملنا مكانة المرأة في الإسلام وما شرعه لها، سنعلم كيف كان لهن الشأن العظيم، وأنهن ملكات أينما كنَّ، متوجات بالحفظ، ومصونات بالتقدير والاحترام.

والمرأة المسلمة مضيئة أينما وجدت؛ فهي الأم والأخت والابنة والزوجة، حفظ لها الإسلام مكانتها وحقوقها، فهي المكرمة المحفوظة المصونة بالتزامها، التي تميزت فيه عن غيرها من نساء الكفَّار.

كم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي نزلت تُوصي بالنساء خيرًا، أو تُعلمهن وتُوجهنَّ، وكلُّ ذلك يدل على مكانتها وعزها وأثرها الكبير في المجتمع.

لم يفرق الله عز وجل بين الرجال والنساء في الأجر والجزاء؛ فهم سواء لا يتفاوتون إلا بالتقوى؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وعندما شرع القوامة للرجل كان هو الحق والنهج الصحيح لها؛ لتعيش حياة طيبة مناسبة لما خُلقت له من مهام ووظائف.

فنحن نعلم أنَّه ما كان من ديننا من أوامر وحقوق، فهو حق ومصلحة، فهو الخالق يعلم ما ينفع خلقه.

بل كفل لها الدين حقها ومكانتها وحاجتها، وتوعد ظالمها، فلم تخلق لتعيش دور المسكينة أو المظلومة أو المملوكة.

ولم يكن لقب "المرأة الصالحة" محصورًا في أن تعيش وترضى بالذل والمهانة.

بل نزل قرآن وآيات تتلى في تلك المرأة الصحابية التي تشتكي من زوجها، فلم تُخرجها الآية من لقب الصلاح، بل رد لها الله حقها، وأنزل سورة لأجلها، فقد روت عائشة رضي الله عنها:

تبارك الذي وسِع سمعُه كلَّ شيءٍ! إنِّي لَأسمعُ كلامَ خولةَ بنتِ ثعلبةَ ويخفَى عليَّ بعضُه وهي تشتكي زوجَها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهي تقولُ: يا رسولَ اللهِ، أكل شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبرتْ سِنِّي، وانقطع له ولدي، ظاهَر مِنِّي! اللهمَّ إني أشكو إليك، قالت عائشةُ: فما برِحتْ حتى نزل جبريلُ عليه السلامُ بهؤلاء الآياتِ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ﴾ [المجادلة: 1]، قالت: وزوجُها أوسُ بنُ الصامتِ.

الراوي: عائشة أم المؤمنين، المحدث: الألباني، المصدر: إرواء الغليل، الصفحة أو الرقم: 7 /175، خلاصة حكم المحدث: صحيح الإسناد.

فعندما شرع الله الحقوق كان المنهج الوسط لا تفريط ولا مغالاة، الذي جعل لكل فرد حقوقًا، وشرع الإحسان لتكتمل دائرة الحقوق.

ومما يوضح مكانة المرأة والتوصية بها أيضًا أنه قد وجه إلى طبيعة المرأة وتكوينها؛ ليتم من خلال ذلك معاملتها والرفق بها.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾ [الزخرف: 18].

أتجترئون وتنسبون إلى الله تعالى مَن يُرَبَّى في الزينة، وهو في الجدال غير مبين لحجته؛ لأنوثته؟ التفسير الميسر.

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ المرأةَ خُلِقتْ من ضلعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاُه؛ فإنْ ذهبتَ تُقِيمُهُ كسرتَهُ، وإنِ استمتعتَ به استمتعتَ بها وفيها عِوَجٌ))؛ الراوي: [أبو هريرة]، المحدث: ابن كثير، المصدر: تفسير القرآن، الصفحة أو الرقم: 2/179، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

قال الشاعر:
هي الضِّلَعُ العوجاء لست تقيمُها     ألاَ إن تقويم الضلوع انكسارُها
تجمِّع ضعفًا واقتدارًا على الفتى     أليس عجيبًا ضعفها واقتدارُها

وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أسلب لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازِمِ منكن))، قُلن: وما ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((أليس إحداكُنَّ تمكث الليالي لا تصلي ولا تصوم؟ فذلك من نقصانِ دينِها، وشهادة إحداكنَّ على النصفِ من شهادةِ الرجلِ، فذلك من نقصانِ عَقْلِها))؛ الراوي المحدث: ابن العربي، المصدر: أحكام القرآن، الصفحة أو الرقم: 1/531، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

وحديث: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَسيرٍ له، فحَدا الحادي، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ارفُقْ يا أنجَشَةُ، وَيحَكَ، بالقَواريرِ))؛ الراوي: أنس بن مالك، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6209، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

كلها مميزات وصفات للمرأة وخِلقتها، والتوجيه في التعامل والرفق معها، ومعرفة حقيقة الفروق بينها وبين الرجل.

وهي ميزة لا عيب كما يفهمها الجُهَّال، فيجعلها ديدنه في محاولة لتسفيه أهل بيته ونسائه، أو كما يصورها لنا الحُقَّاد بصورة هضم وتحقير للمرأة وما شابه.

فما العدل والحق إلا أن يعطى كلٌّ على حسب حاجته وتكوينه وقدراته.

ولنا في الصحابيَّات القدوة والمثال الحسن، والمكانة التي كانت لهن وما زالت؛ فتلك معلمة النساء والرجال، وتلك يبشِّرها جبريل عليه السلام ببيت من القصب لا صخب فيه ولا نصب، وتلك الغميصاء، وغيرهن الكثير من القدوات، فاجعلي منهن نبراسًا يضيء لكِ الطريق.

فما أعظم ديننا الذي رسم لنا الطريق والمنهج، ووضع لنا الحوافز والجوائز!

وها هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في آخر لحظات حياته في خطبة الوداع يوصي بالنساء، كما في سنن ابن ماجه عن أم سلمة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم))، فما زال يقولها حتى ما يَفِيض بها لسانُه؛ صححه الألباني.

هذه مكانتكِ أيتها العفيفة الطاهرة، لا تنظري لواقع بعض حال الناس أو بعض تلك الأقلام التي تصور صورة مقفرة وقاسية وجافة للمرأة، فتنعكس على النفوس بما لا ترضى، فتصبح تحاول أن تظهر بصور وتصرفات قد تخرجها من طبيعة الأنوثة أو تخالف الشرع من أجل أن تثبت من شأنها.
بل انظري وعُودي إلى مكانتك وأهميتكِ وشأنكِ الذي اهتم به الإسلام أيما اهتمام؛ بل لم يترك لا صغيرة ولا كبيرة تخصكِ إلا ووجَّهكِ للطريق والمسلك الحق الأنفع لكِ فيها؛ فمن أحوال زينتكِ، إلى أحكام طهارتكِ ونكاحكِ، وإلى غير ذلك.

وحتى حقوقكِ ما لكِ وما عليكِ قد نظمها وحفظها لكِ الإسلام من نعومة أظفاركِإلى بلوغك سن الكبر والعجز.

ما عليكِ إلا أن تتأملي وتنظري بعين البصيرة للدين لتجدي بغيتكِ وهدفكِ، فلا مقال يكفي، ولا صفحات تُغني؛ بل هو قلب يفقه يملؤه اليقين بالله عز وجل وحبه.

والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

 
959
 
 
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ