الأحد  
1439/01/04
هـ  
 الموافق:    2017/09/24م    
 
مختارات علمية
   
مسائل فقهية
   
حكم تعذيب أسرى الحرب
حكم تعذيب أسرى الحرب

مسألة تعذيب أسرى الحرب من المسائل المشكلة عند عامة الناس وبعض طلبة العلم .

فالناس فيها طرفان ووسط . الطرف الأول يُبيح تعذيبهم مطلقاً . والطرف الثاني يُحرِّم تعذيبهم مطلقا ً. وفريق توسَّط بين الطرفين فجعل الحكم على التفصيل وليس على الإجمال .

وتحرير محل النِّزاع في المسألة يكون بعرض الأدلة والجمع بينها قبل الترجيح ، فإن الترجيح قبل محاولة الجمع بين الأدلة خطأٌ أصولي ،كما هو مقرَّر عند الأُصوليين ، وعلى رأسهم الإمام الشافعي (ت: 204 هـ ) رحمه الله تعالى .
وإذا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز شرعاً ، فيجب استخراج القول الصحيح في المسألة للعمل به لا بغيره .

المقصود بالتعذيب : الإيلام الشديد بالضرب المُبرِّح ، أو التجويع أو التسهير أو الحرق الجزئي أو الكلي ، أو نحوها من وسائل التعذيب التي لا تخفى على أحد .

والمقصود بالأسرى : من يتم القبض عليهم من الأسرى المحاربين أثناء المعركة .

والمقصود بالحرب : المعركة التي تكون بين مجموعتين أو دولتين بسبب صراع طائفي أو مذهبي أو عِرقي ، أو نحو ذلك .
وهناك ملاحظة يجب التنبيه عليها هنا وهي: أنه يوجد تشابه بين أحكام الأسير والمتَّهم للتناسب بينهما ، لكن هذا التناسب يتفق أحياناً ويختلف في بعض الأحايين.

القائلون بجواز التعذيب يستدلون بجواز قتل الأسير الكافر أو المنافق . كقول الله تعالى : ” فشدُّوا الوَثاق “(محمد :4 ) ، وشدُّ الوثاق يتخلَّله تعذيب ، كما يُفهم من سياق الآية وسباقها .

ومن السنة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح خيبر اشترط على اليهود أن لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيئًا ، فإِنْ فعَلُوا فلَا ذِمَّةَ لَهم ولَا عَهد ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا – أي جلداً – فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُييِّ بْنِ أَخْطَبَ، فسأل النبيُّ صلى الله عليه وسلم “عمَّ حييّ” عن هذا الحُلي فأنكر، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم إلى الزبير فمسَّه بعذاب ” . أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .

وقد قال الإمام ابن تيمية( ت: 728هـ ) رحمه الله تعالى : “َهَذَا أَصْلٌ فِي ضَربِ المُتَّهَم الذِي عُلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِباً، أَوْ فَعَلَ محَرماً ” .
وناقش ابن القيِّم (ت: 691هـ ) رحمه الله تعالى ما تقدَّم وقال : “ويَسُوغ ضَربُ هَذَا النوع مِنْ الْمُتَّهَمِينَ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ بتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ .

وقد روى مسلم في صحيحه أنَّ المسلمين ظفروا في غزوة بدر برجلٍ من المشركين، ورجوا أن يُرشدهم إلى قافلة أبي سفيان وضربوه للإقرار، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

واستدل بعض أهل العلم برواية في السيرة عن ابن إسحاق (ت : 151هـ ) على جواز تعذيب الأسرى أو المتهمين مطلقاً . وهي رواية ضعيفة السند أخرجها بعضُ أهل السِّير .

فقد أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيتُ كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك؟ قال : نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فَحُفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقي ، فأبى أن يؤدِّيه، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: عذِّبه حتى تستأصل ما عنده، وكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة ” .

والقاعدة الشرعية هنا : أنه إن كان الأسير يكتم أدلة أو شركاء آخرين، أو كان معه أسرار للعدو تنفع المسلمين، وصاحبَ ذلك قرائنُ، ولم يقِرَّ من نفسه: جاز إيقاع الأذى عليه بضرب أو نحوه للكشف عنها . فيكون ذلك تعزيراً ولا حرج فيه شرعاً .
وقد أحسن الإمام الشاطبي( ت: 790هـ ) رحمه الله تعالى حين قال: ” فإِنه لو لم يَكن الضربُ وَالسجن بِالتُّهَمِ ، لتَعَذَّرَ استِخْلَاص الْأَموَالِ مِن أيدِي السُّرَاقِ وَالغُصَّابِ، إذ قد يتَعَذَّرُ إِقَامَةُ البَيِّنَة، فكانَت المَصلَحَة فِي التَعْذِيب وَسِيلَةً إِلَى التَّحْصِيلِ بِالتَّعيِينِ وَالْإِقرَارِ ” .

أما أدلة من يُحرِّم تعذيب الأسرى فمستفادة من عموم النصوص التي ترشد إلى الإحسان إليهم عامة ، أو بالمنِّ عليهم ، أو بقتلهم ؛ لأن القتل من الإحسان إليهم .
بل قد ورد الوعيد الشديد فيمن يُعذِّبون الناس في غير الحدِّ الشرعي . فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنيَا” . أخرجه مسلم في صحيحه .

وهذا الحديث له مناسبة وهي أن هشام بن حكيم بن حزام مرَّ على أُناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس ، فقال ما شأنهم ؟ قالوا : حُبسوا في الجزية ، فقال هشام : أشهدُ لسمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ” إن الله يُعذِّب الذين يعذِّبون الناس في الدنيا” .

وقد ثبت أن عَلِيًّا (ت: 40هـ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي ابْنِ مُلجم – قاتل علي – :” أطْعِمُوهُ، وَاسْقُوهُ، وَأَحْسِنُوا أَسَارَهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، أَعْفُو إِنْ شِئْتُ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وَإِن مُتُّ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَلَا تُمَثِّلُوا ” . أخرجه البيهقي بإسناد صحيح .

وخلاصة ما تقدَّم أن تأديب الأسير بشيٍ من الضرب غير المبرِّح لا غير، للمصلحة جائز ، أما تعذيبه إلى الحدِّ الذي ينتهك آدميته أو يتسبب في وفاته – حتى ولو كان كافراً – فلا يجوز ، بل قد يأثم فاعله ، ويلزم تضمينه كما يقول الفقهاء . وهذا هو تحقيق مناط المسألة . فيلزم شرعاً العمل به .
إن سماحة الإسلام تدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وتأمين الطّعام والشّراب والكساء لهم واحترام آدميّتهم ، لقول الله تعالى ” ويُطعمون الطّعام على حُبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ” (الإنسان : 8 ) . وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النّهار في يومٍ صائفٍ : ” أحسنوا إسارهم ، وقيّلوهم ، واسقوهم ” .

وفي روايةٍ : ” لا تجمعوا عليهم حَرّ هذا اليوم وحرّ السّلاح” . أخرجه ابن الملقن بإسناد حسن .

والذي عليه أهل التحقيق الإجماع أن الإمام إن رأى قتل الأسارى ، فيجب عليه ألاّ يعذّبهم بالضرب والعطش والجوع ، بل يقتلهم قتلاً كريماً . وهذه العلة تكفي لترجيح القول بعدم تعذيب الأسرى مطلقاً .

وما يقوم به الجنود والعسكر من إنتهاك لحقوق الأسير التي كفلها الشرع الحنيف جناية يجب منعها ، لعدم إستغلالها من أعداء الدِّين ومنظمات حقوق الإنسان .

ويتّفق الفقهاء على أنّه يحقّ للإمام إعطاء الأمان للأسير بعد الإستيلاء عليه ، لأنّ عمر- رضي الله عنه – لمّا قُدم عليه بالهرمزان أسيراً قال : ” لا بأس عليك “، ثمّ أراد قتله ، فقال له أنسٌ : ” قد أمّنته فلا سبيل لك عليه ، وشهد الزّبير بذلك . أخرجه الطبري بإسناد صحيح . فعدّوه أماناً ، ولأنّ للإمام أن يمنّ عليه ، والأمان دون المنّ .

ولا يجوز للإمام أن يتصرّف على حكم التّمنّي والتّشهّي دون مصلحة المسلمين ، فما عقده أمير الجيش من الأمان جاز ولزم الوفاء به .
وأمّا الجنود والعسكر فليس لهم ذلك ، لأنّ أمر الأسير مفوّضٌ إلى الإمام أو القائد ، فلم يجز الإفتئات عليه فيما يمنع ذلك كقتله .

وذكر المحقِّقون أنّه يصحّ أمان آحاد الرّعيّة ، لأنّ زينب بنت الرّسول صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الرّبيع بعد أسره ، فأجاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمانها . صحَّحه الألباني في الصحيحة .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

 
1062
 
 
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ