الأثنين  
1441/01/17
هـ  
 الموافق:    2019/09/16م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
بين الرحمة والنفعية
بين الرحمة والنفعية

حين تصبح الأمم مزيجاً واحداً من العلاقات المتشابكة، والثقافات المتداولة المتداخلة دون أن تستطيع اية مؤثرات وأصوات رافضة أو محذرة إيقاف المد التأثري والتأثيري في آن معاً.

وحين يسود مفهوم يحتمل عدة وجوه تأويلية، ويتشكل بعدة أشكال احتوائية تسعى في مجملها إلى صهر الأمم والشعوب والحضارات في بوتقة واحدة تدعى العولمة لينتج عنها أيديولوجيا مادية راديكالية تتجاهل المقومات البشرية والآدمية للانسان، وفق منظومة إقتصادية واجتماعية وأخلاقية تتماشى وتتطابق مع ذلك الشعار المصلحي (دعه يعمل دعه يمر) .

حينها يتطلب الأمر من الأمة التي لاتنسجم معتقداتها واخلاقياتها وحضارتها العريقة ، بشكل متطابق مع كل رواسب ومعطيات ذلك المد - لارتكاز مقومات وجودها على الدين الحق والشريعة العصماء والعقيدة ذات الثوابت التي لايمكن تغييرها - أن ترتب أوراقها ، وأن تعيد النظر في تحصيناتها الاجتماعية والثقافية والحضارية بكل دقائقها ومجالاتها.

وأن تدقق بوعي موضوعي في المصادر المعاصرة التي تدخلها الوسائل المشتركة مع الآخر وتنساب في عمق بنيانها المتميز دون أن تحس.

وعليها أن تدرس بعمق وإنصاف كيفية الاستفادة من حضارة وفكر ومنجزات الآخر، دون أن تتشرب سموم وشوائب تلك الثقافات الوافدة، بكل تدفقها السريع الرتيب الجارف المؤثر، لكي تبقى مميزاتها الإنسانية والفكرية، وقبل ذلك العقدية في أمان وتميز وديمومة .

وعليه فإنه وفي ظل إفلاس الحضارات المادية في إيجاد حلول لمشكلات الإنسان بكل جوانبها ،بل ربما ساهمت تلك البهرجة الحضارية الخاوية من الروح ، بتعقيد تلك المشاكل وتفاقمها ، وتدهور القيمة الإنسانية ، وسيطرة اليأس والشقاء والضنك والعدائية ، وانحسار القيم الأخلاقية المرتبطة بالدين كباعث وموجد لتلك القيم والمعاني.

فقد صار لزاماً علينا كأمة مسلمة أن نساهم وبفاعلية عظيمة بمستوى ديننا العظيم على إحياء مفهوم العولمة الانسانية الرحيمة العادلة، تلك العولمة " العالمية " التي نادى بها الإسلام بوضوح وصراحة مقرراً وبكل ثقة أنه دين عالمي برسالة عالمية ، تؤكد على وحدانية الخالق وميزة الكمال للشريعة تميز الرسول الحريص على تحقيق العدالة والرحمة، والهداية والمصلحة النافعة للعالمين كافة ، دون تمييز بين جنس ولون وطبقة.

يقول سبحانه مخاطباً رسوله الكريم حامل الرسالة العالمية الرشيدة " وما أرسلناك الا كافة للناس " ويقول في صفة الرسول والرسالة " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

فالرسالة عالمية والرسول للناس كافة، والرحمة والعدالة لم تستثن أحداً من البشر أياً كان موقعهم ومهما كان واقعهم ، وكيفما اختلفت مرجعياتهم ومحتكماتهم وشرائعهم.

وإذا كان الآخريروج لعولمة منهجه وفكره وحضارته على اعتبار أنها حتمية عصرية وأيديولوجيا لا مفر من اجتياحها للعالم  من مشرقه إلى مغربه، وعلى أنها تغيرات وتطورات تصب في مصلحة الأمم دون تمييز، حسب زعمه فإننا مكلفون وبحسب تكليف شريعتنا العالمية العادلة المتميزة أن نطرح أفكارنا ومبادئنا.

وقبل ذلك معتقداتنا وشرعنا للناس بكل ثقة واطمئنان إلى تقبل الأمم لها واحترامهم لمبادئها وسيادتها ، كفكر يصب حقاً في مصلحة البشرية.

ولكي نخرج الإسلام من إشكالية الفرق بين العولمة كحركة ملموسة مؤثرة سلباً وايجاباً وبين العالمية كفكر وأيديولوجيا، يطرح عبر نظريات وخطابات بليغة، ونظريات مثالية غاية في الجمال والروعة وحب الخير للناس جميعاً دون تمييز.

أقول: إن هذه الصورة الجميلة يجب أن تدب فيها الحياة، وأن تخرج من إطار التنظير إلى بحر الإبداع والحركة والتطبيق والعمل الفاعل، لصالح البشرية ، وأن تتفاعل مع حضارة الآخر، وفق شروطها هي لا شروطه هو، وأن تثبت قدرتها وصلاحيتها هذه ، لكل أولئك الذين يراهنون على نجاحها، في تغيير وجه العالم البائس المثقل بآلام الحضارات المادية التي تتجاهل الروح الانسانية ، والأثرالإيجابي الدافع للدين في حياة الشعوب.

وإذا كانت الديانات الأخرى قد فقدت فاعليتها وتأثيرها في حياة معتنقيها لأسباب يطول شرحها، فإن ديننا ما زال هو القوة المحركة الدافعة للرقي في حياتنا، ولكننا قصرنا كثيراً في جلاء وإيضاح هذه الحقيقة عملياً بل وانساقت الأمة في كثير من مناحي حياتها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً في ركاب ما يسمى بالعولمة.

ولو أن هذه العولمة كانت انسانية النزعة رحيمة النظام عادلة القوانين، لكنا التمسنا عذراً لأولئك المتحمسين لها ، ولو أنها أخذت بعين الإعتبارعلى الأقل مصلحة الإنسان كإنسان، وليس كآلة صماء عجماء كباقي الآلات التي صممت لخدمة رؤوس الأموال، وإنتاج السلع دون مراعاة لاضمحلال القيم واندحار الاخلاق ، وتلاشي تأثير الدين كتعاليم رحيمة، أنزلت لمصلحة البشرية لغضضنا الطرف عن نقائصها، ولكنها تسعى لإثبات جدارتها بالسيطرة العالمية على مقدرات الكون وأساسيات بقاء البشر.

مما أسفر عن ما نراه من مآسي وكوارث أخلاقية واقتصادية واجتماعية وكونية تهدد بانهيارات أكبر وأعظم في حياة الإنسان وأجيالها المتعاقبة في منهجية نفعية منظمة تكرس الباطل والظلم والنفعية البشعة .

أيتها البشرية المعذبة المهزوزة التائهة ،المادة خلق من خلق الله، والانتفاع بها هبة ومنحة لك من الله ، فاحتكمي في انطلاقتك الإنسانية الإنتاجية ،[العالمية أو العولمية ] من شرعه وحده وإلا بقيتي في دائرة الضنك والعمى والضلالة ، والتخبط العشوائي.

وإن ما نراه اليوم من مأساة التضاؤل القيمي وإندحار المشاعر الإنسانية وتحكيم الشرائع الغابية التي عادت أكثر ما تكون جلاء، وأشد ماتكون شراسة واستعداء من الإنسان على أخيه الإنسان ،وغير ذلك مما يضيق المجال عن الاستفاضة في بيانه ، لهو اكبر دليل على وصول الحضارات المفلسة إلى غاية الإعراض عن الله وشرعه ومنهجه العادل الحكيم ، فاستحقت بذلك إقامة سنة الله في الظالمين عليها (( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى )) .

 
1974
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر