الجمعة  
1441/01/21
هـ  
 الموافق:    2019/09/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
لعلهم يتفكرون
لعلهم يتفكرون

تساءلتُ في نفسي وأنا أشاهد حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد: مَن صاحب هذه الفكرة ؟! متى بدأت جمعيات التحفيظ؟!

من كسب هذا الشرف العظيم، وأسس لهذه الفكرة حتى غدت حلقات التحفيظ ومعلِّموها يلاحقون المساجد في المدن والقرى، ويتبعونها في السهول والجبال، وتخرّج عامة الأئمة في الحرمين وفي غير الحرمين من حلقاتها؟!

لقد كانت البلاد قبل عام (١٣٨٢) دون نشاط منظم في تحفيظ القرآن الكريم في المساجد، سوى الجهود الفردية والمتفرقة، ثم كتب الله قيام هذه الفكرة العظيمة على يد رجل صالح من القارة الهندية، اسمه: محمد يوسف سيتي، أسلم في صغره، وأحب القرآن الكريم، وحلم بخدمته وتحفيظ أبناء المسلمين، في قصة جميلة حكاها خالد الفواز في مجلة البيان العدد (253).

رحم الله هذا الرجل المبارك، ورضي عنه وعن كل من شجعه وساعده.

هذا «الحفظ والتجويد» قد ساق الله له رجلًا مباركا، وأصبحت حلقات التحفيظ تعمر مساجدنا، وأبناؤها يُزيِّنون محاريبها بأصواتهم وتراتيلهم.

لماذا أُنزل القرآن الكريم ؟!.
هل يكفي أن نحفظ القرآن الكريم ونجوّده ونرتله حتى نسلم من هجره والتقصير في حقه؟.

في سورة النحل يخبر الله - سبحانه وتعالى - أن التفكر في كلامه مقصدٌ من مقاصد إنزال القرآن الكريم، يقول سبحانه: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)».

إن حالنا اليوم مع عبادة التفكر في آيات القرآن العظيم، يشبه حالنا مع عبادة حفظ القرآن وتجويده قبل عام (١٣٨٢) !
عبادة التفكر اليوم تشتكي من إهمالنا، ولا شيء سوى الجهود الفردية وشبه المؤسسية المتفرقة.

مع أننا في أمس الحاجة الى أن نعيد بناء علاقتنا مع القرآن الكريم، علاقة متكاملة فيها الحفظ والتجويد، والتفسير والتفكر، والحب والإيمان والعمل.
إننا الأمة الوحيدة التي تملك نصَّا ربانيًا لم يدخله التحريف، متصلا بالسماء مع كل حرفٍ من حروفه.

وقد جاءت الاكتشافات إثر الاكتشافات دون أن تمس خبرًا من أخباره، أو حقيقة من حقائقه بشكٍ أو ريبة.
في داخل النص القرآني معانٍ عميقة لن تبلغها إلا بعبادة التفكر، وفي داخل النفس البشرية أغوار بعيدة لن تصل إليها هدايات القرآن العظيم إلا بعبادة التفكر.

للجسد عبادة وعبادته الركوع والسجود والسعي في قضاء الحاجات، وللعقل عبادة، وعبادته التفكر في كلام الله والتفكر في مخلوقاته.

لو بحثنا عن طاقة العقل التفكّرية، وحسبنا كم صرفنا منها للتفكر في كلام البشر وتصرفاتهم، وكم صرفنا منها للتفكر في كلام الله لأدركنا جيدا معنى من معاني هذه الآية: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)» [سورة الفرقان].

لقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - مشغولين بفهم القرآن والتفكر في كلام الله، ويصلون إلى أعماق معانيه ودلالاته، وفي المجلس الأعلى لقيادة الدولة العمرية، كان الدليل الذي يشهد لتقدم ابن عباس في فهمه وعلمه التفكر في كلام الله.

وبهذا ترى أن القرآن هو الذي يقدم ويؤخر في إمامة الصلاة، والتفكر فيه هو الذي يقدم ويؤخر في مجالس القيادة والرأي والمشورة.

روى البخاري في صحيحه : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: « كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ».

فهو بهذا الفقه والعمق والتفكر استحق التقريب في مجلس القيادة والرأي والمشورة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين» .

 
1947
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر