الأحد  
1441/06/29
هـ  
 الموافق:    2020/02/23م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
سمو الأخلاق
سمو الأخلاق

من منطلق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"  نجد أن للأخلاق مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي .

و " بعثت لـ " منها نعلم أنها أساس وركيزة في بناء الشخصية الإسلامية السوية .

هي رسالة الأمم ولبنة المجتمعات وأساس الحضارات ، تغنى بها أهل الشعر ، وغرد بها أصحاب النثر ، دافعها إنساني لتعزيز التعايش والحب بين أوساط العالم بعيداً عن حظوظ النفس والانتقام وغير ذلك.

ثم الدافع الثاني والمقرر لما قبله هو دافع الشارع الكريم الذي أمر بها في كتابه العظيم في مواطن عديدة.

هِـيَ النَفــسُ مــا حَمَّلتَها تَتَحَمَّـــلُ      وَلِلدَّهــــرِ أَيّــامٌ تَجورُ وَتَعـــدِلُ

وَعاقِبَةُ الصَبـــرِ الجَميلِ جَميلَةٌ     وَأَفضَـلُ أَخلاقِ الرِجالِ التَفَضُـــّلُ

الأخلاق ترفض كل التصانيف وتجردها ( الأبيض والأسود والرفيع والوضيع والغني والفقير .. ) أي لا الجنس والأحوال ، ولا اللغة والأشكال تكون معياراً حقيقياً عادلاً ، بل السمو بالأخلاق بعد التقوى هي المعيار المنصف.

تأمل معي وأنت تجول بين الناس ترى أخلاقاً مجسدةً ، عدلٌ وسخاء ، تسامحٌ وعطاء ، سلامٌ وحياء ، تختلف الأسماء وتبقى المكارم لها رونقٌ خاص بينهم ، نفوسٌ سامية ، وقلوبٌ آمنة ، وبعدها الإيمانٌ ثمارهم والهدى نوالهم.

هذه هي الأخلاق النادية والنفوس العزيزة ، كالثريا في البريق ، زينة المرء في الطريق ، وزاده للمَعاد عند رب العباد ، نِعم النوال ما نلت ، ونعم العطايا ما وهبت ..

إِنّي لَتُطرِبُني الخِلالُ كَريمَةً             طَرَبَ الغَريبِ بِأَوبَةٍ وَتَلاقي

وَتَهُزُّني ذِكرى المُروءَةِ وَالنَدى        بَينَ الشَمائِلِ هِزَّةَ المُشتاقِ

رسائل القرآن { وَقُولُوا ..} و {ادْفَعْ بِالَّتِي ..} و { خُذِ الْعَفْوَ ..} و { فَبِمَا رَحْمَةٍ } كلها داعية لمكارم الأخلاق وتهذيب النفوس.

ثم لو استعرضنا حديثاً آخراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحبّكم إليّ وأقربكم منّي أحاسنكم أخلاقًا " لهو دافع لنيل ذلك الجزاء الذي هو منى كل أحد ، حب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرب منه .

كذلك ثقلها في ميزان العبد لحديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما من شيءِ أثقلَ في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن حُسن الخُلق " ..

فَإِذا رُزِقتَ خَليقَةً مَحمودَةً         فَقَدِ اِصطَفاكَ مُقَسِّمُ الأَرزاقِ

فَالناسُ هَذا حَظُّهُ مالٌ وَذا         عِلمٌ وَذاكَ مَكارِمُ الأَخلاقِ

وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِرهُ مُحَصَّناً      بِالعِلمِ كانَ نِهايَةَ الإِملاقِ

وبالفعل لا قيمة للمال دون خُلقٍ ، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق " .

فليس المال من يحبب الناس لك بل أخلاقك ولو كانت سيئة لأفسدتها كما يُفسد الخل العسل ، لذا قال أحدهم :

ليس الجمالُ بأثواب تُزيِّنُنا         إن الجمالَ جمالُ العلم والأدبِ

وهذا الأصل لأن المسلم مسالم لغيره متأسياً برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي امتدحه ربه في كتابه ، متحلياً بكريم الطباع وحسن الأخلاق ، فقد قال عون بن عبد الله : (المؤمن موالف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ).

وإن كانت هذه في المجتمع المسلم لرأينا حضارة إسلامية حقيقية تضاهي حضارات غيرها وليسود السلام والحب والقيم المحمدية حينها .

 
1732
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر