الخميس  
1440/10/17
هـ  
 الموافق:    2019/06/20م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
نهينا عن التكلف
نهينا عن التكلف

تتحدث الأم الكبيرة والعجوز المسكينة - المحبة لأقاربها الراغبة في الصلة المبتغية للأجر - أنها تجلس الأشهر العديدة والسنوات المديدة لا تستطيع زيارة أقاربها وصلة أرحامها بسبب الأنظمة العائلية، والقواعد الأسرية والبروتوكولات والقوانين الاجتماعية التي قيدت اللقاء وحددت الزيارة بأوقات محددة وأوضاع معينة يفرضها أهل البيت ويوجبها أرباب المنزل على محبي الوالدين وأقارب الأبوين مما كان سبباً في تقطع الأواصر وتلاشي الروابط، مع أننا قد ( نهينا عن التكلف) .

عاشت الأسر والعوائل في العقود الماضية بالبساطة والسهولة والأريحية والتلقائية ثم تحولت بفضل دورات التطوير ومنتديات التغيير لإدارة مؤسسية وشركة نظامية يسودها الأوامر والضوابط والقيود والمحددات لهيئة النوم، وصفة الأكل وكيفية الجلوس، ونظام الاستئذان وشروط التعامل وحدود العلاقة؛ مما جعل البيت والمنزل أشبه بثكنة عسكرية أو منشأة أمنية، مع أننا قد ( نهينا عن التكلف ) .

يلتقي الشاب بصديقه والفتاة بصاحبتها في لقاء عام أو جلسة خاصة فترى الاحترام المتصنع وتشاهد التعامل المتكلف من إغراق في المدح وتجاوز في الثناء وتنطع في الإطراء مع حركات سامجة وتصرفات مستهجنة لم يظهرها الرجل لوالديه أو تبدها المرأة لزوجها. مع أننا قد ( نهينا عن التكلف).

يستقبل الزوج مولوده الأول بفرحة عارمة وسعادة بالغة ويذهب لموظف الاستقبال لاستلام فاتورة الولادة فإذا به يصاب بصدمة كبيرة وحسرة عظيمة عند قراءته لقيمة الفاتورة التي بلغت ثلاثين ألفاً فرجعت فرحته وسروره حزناً وكآبة وهماً وغماً بسبب مجاراته لأهواء الأصدقاء ونصائح الزميلات دون مراعاة المستوى المادي والوضع المعيشي.مع أننا (نهينا عن التكلف) .

يخرج الموظف - حارس المدرسة الذي لا يتجاوز راتبه أربعة آلاف - من البنك وقد أودع في حسابه مائة وخمسين ألفاً تمويلاً شخصياً؛ ذهب لأقرب شركة طيران وحجز لأفراد الأسرة برنامجاً سياحياً لمدة أسبوعين في إحدى الدول الآسيوية.

قضى الإجازة واستمتع بالرحلة وعاد لمنزله الصغير وبلده الجميل ولكنه بدأ رحلة أخرى إنها رحلة الديون المتراكمة والقروض المتتابعة والمطالبات الشخصية والالتزامات الاجتماعية .

يلتحق الشاب صغيراً أو كبيراً بمجموعة من الأصحاب وثلة من الزملاء للمؤانسة والمخالطة والتآلف والتعاطف والتعاون والتكاتف ومع مرور الزمان وتوالي الأيام يحس بشيء من الفتور وتردد في الحضور وانسحاب من المجموعة وتسلل من الديوانية بسبب ما يراه ويشاهده ويسمعه ويبلغه من كبت للحريات وإقصاء للآراء وتحجير على الأفكار وفرض للقيود وإلزام بالتعليمات، وإيجاب لضوابط يراد منها صبغ المجموعة كلها بصبغة واحدة وفكر معين ومنهج محدد لا يتجاوزه الشاب ولا يتعداه العضو في حياته الواقعية وأوضاعه اليومية مع أننا(نهينا عن التكلف) .

هذه خواطر عجلى وسوانح عابرة من الصور اليومية والمشاهد الواقعية لأنواع كثيرة وأصناف عديدة من التصنع والتكلف والتشبع والتنطع جعلتنا مقيدين - شعرنا أم لم نشعر - بأغلال وهمية وقيود مصطنعة أذهبت عنا حلاوة الحياة وبساطة التعامل ورحابة العيش وجمال السماحة ولذة السهولة.

قال عمر رضي الله عنه: ( نهينا عن التكلف ) رواه البخاري .

 
1701
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر