الأربعاء  
1441/05/27
هـ  
 الموافق:    2020/01/22م    
 
ركن الأسرة
   
أزواج وزوجات
   
إني رزقت حبه
إني رزقت حبه

"مضى على زواجي منه عشرون عامًا، أنظر إليها الآن وكأنها يوم واحد مرَّ عليَّ، غرقتُ خلالها في العسل حتى أُذنيَّ، سنوات عشرون؛ السعادة والطمأنينة، والراحة والرِّضا والحب دَيدنها.

لا تفهموا من كلامي هذا أن تلك السنوات مرَّت دون عناء أو تعب أو حتى مشاكل؛ أبدًا، بل أكثرها اصطبغ بالتعب والإرهاق والحزن في أحيان كثيرة؛ لكثرة مسؤولياتي، وإصراري على الإتقان في أداء أدواري الكثيرة والمختلفة، في البيت وخارجه؛ أمٌّ وزوجة، وطالبة وباحثة، وعاملة وكاتبة... وغيرها، ولكني أقول: إنَّها أيام حلوة بطعم العسل؛ لأن ذلك هو حقيقة ما شعرت به...".

وجعلتُ عنوان مقالي يحمل مأثورة الزَّوج العاشق والمحب الطَّاهر نبينا محمد صلوات الله عليه وسلامه حين قال عن خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، زوجه، كلمات توزَن بالذَّهب؛ لما تحمل بين ثناياها من معانٍ سامية ونبيلة، ومن حبٍّ واحترام وتقدير للمرأة الشريكة في الحياة، الشريكة في الحزن والفرح، في اللحظات المُرَّة العصيبة، وفي لحظات الفرج والراحة، كلمات تختصر كتبًا ومجلدات في مهارات السَّعادة الزوجية، وفنِّ الحب الحلال، فقد قال سيد الخلق عن خديجة: ((إنِّي رُزقتُ حبَّها)).

وهو المحبُّ الذي ضرب في حبِّه الراقي لأزواجه أروعَ الأمثلة في الحبِّ النَّقي الطاهر، صَلُحَ لأن يكون مثالًا يُحتذى به، وأنار دربًا صلح لأن نسير على خطاه.

وأنا أعيد ترديد مقولة قدوتي ونبيي سيِّد البشرية: إنِّي رُزقت حبَّه، ليس لأنَّني أتمتَّع بجمال منقطع النظير، أو لأنني شخصيَّة فذَّة لم يحدث مثلها قطُّ على وجه الأرض؛ أبدًا، المعادلة مختلفة تمامًا عن ذلك.

فرَبِّي قد أنعم عليَّ برِزق كتَبه لي عندما خُلقتُ في بطن أمي، وهيَّأ الظروفَ والأوقات أمامي ليضمني وإياه بيتٌ واحد، بيت هو حياتي ومملكتي، أشعر فيه دائمًا أنني الملكة، ملِكة ليست كباقي الملكات، وإنما ملِكة فريدة من نوعها، ويجعلني حبه أشعر - حتى بعد مضيِّ عشرين عامًا - برفقته أنَّني أعيش معه قصَّةَ حبٍّ رائعة الجمال، في ثناياها الكثير من التشويق والتجديد، لم أرتوِ حتى الآن من روعتها وجمالها.

احترامه لي، وطيبة نفسه، وكرمه، وشهامته وشجاعته، ورقَّة طباعه، وحنوُّه ولطفه، والكثير من الطِّباع الأخرى الحسنة التي تحبها المرأة في الرجل - هي ما جعلَتني أرى فيه زوجًا ليس كباقي الأزواج، زوجًا استطاع أن يأسر قلبَ زوجته له وحده، ويحصره لبيته وأسرته، فلا تتطلَّع لخارج ذلك مهما كانت الأسباب، وأعزي نجاحه هذا أنَّه زوج سار على درب نبيِّه وسنَّته، فكان له ما أصف.

وأذكِّر كلَّ رجل بها: ماذا تريد المرأة من زوجها؟ المرأة لا تحتاج لرجل يغرقها بالمال مثلًا في الوقت الذي يشعِرها فيه دائمًا بأنها ما خلقَت إلَّا لتكون خلفه، لتسهر على راحته، وتعيش لتلبية طلباته والاستجابة لأوامره.

رجل يؤكِّد لها - بمناسبة وبدون مناسبة - أنه هو الأرفع مقامًا والأعلى شأنًا، فما عليه إلا أن يأمر، وما عليها إلا أن تطيع؛ لأن طاعته حقٌّ له عليها من الله، فهو وليُّ الأمر وهي الضلع الأعوج، الذي أعوج ما فيه أعلاه، يقول لها ذلك وغيره بكلامه، وقد يكتفي بممارسته من خلال سلوكيَّاته وطباعه، حتى وإن رافق ذلك استجابة لجميع الاحتياجات المادِّية للمرأة.

فهل المرأة تحتاج من رجلها فقط أن يلبِّي متطلباتها المادِّية، واحتياجاتها الجسدية، بجفاف يفتقر للين الحبِّ ومرونته؟ أبدًا، بل إن أصبح ذلك طابع الحياة الزوجية، ستنفر المرأة حينها، وستكره البقاءَ في بيته، وإن بقيَت فكن متأكدًا بأنها بقيَت مرغمة مكرهة على أمرها؛ لأنه لا خيارات أخرى أمامها.

ولنقارن الحال الأول بنقيضه؛ حال تعيش فيه المرأة في كنف زوج يغدِق عليها من حبِّه وعطفة، لَيِّن في طبعه، لطيف في معشره، يشعر بمشاعرها، ويحسُّ بمعاناتها، ويقدِّر حجم مسؤولياتها، يدعمها لتقف إلى جانبه، تتقدَّم معه، لا تتوارى خلفة وتختفي في ظلِّه، رجل سلوكيَّاته تؤكِّد لها قبل كلامه أنَّه يحترمها ويقدِّرها ويتقبَّلها بجميع نقائصها وعيوبها، يحبُّها كما هي، يحبها لأنها هي قدَره الذي كتبه الله له، لا يكيل لها الانتقادات الجارِحة والتوبيخ المستمر.

إنما يأخذ بيدها لتتطوَّر للأفضل وتكتسب المهارات اللازمة للحياة الزوجية وتربية الأبناء، مع زوج من هذا النوع تجد أن المرأة تسعى بإرادتها وبكلِّ قوتها لتطيع أوامرَه وتلبِّي جميعَ طلباته واحتياجاته - حتى تلك التي لم يطلبها بلسانه لأنها تعلم أنه يفضِّلها - بحبٍّ وعطف منقطع النظير، ومناها فقط: رضاه وسعادته.

لو أننا التزمنا سنَّةَ نبينا وأصبحت منهاجًا لحياتنا، لبنينا أُسرًا متماسكة قويَّة، ولتمكَّنا من القضاء على جميع مكامن الخلَل القاتل التي نراها تسود اليوم في مجتمعاتنا العربية المسلمة، ولكان بمقدورنا إيقاف مَعاول الهدم التي تفتك بنا وتسير بنا نحو الهاوية.

لو أنَّنا نحبُّ أزواجنا ونعبر عن ذلك الحب - كما كان يفعل نبيُّنا وقدوتنا مع أزواجه - لكنَّا أسعَد الناس، ولَما سمعنا عن نساء يبحثن عن حبٍّ خارج العلاقة الزوجية؛ فالمرأة ليست هي المذنبة الوحيدة في تلك الحالات، بل هو الرجل مَن يدفعها لذلك، بجفافه وغلظتِه وتقصيره، فلنراجِع أنفسنا وحساباتنا قبل فوات الأوان.
  

 
1820
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر