الأحد  
1441/02/21
هـ  
 الموافق:    2019/10/20م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
عابرو سبيل
عابرو سبيل

يا عبد الله (عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) وما عبد الله بن عمر إلّا سامعاً مطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم محبّ لأمته حانياً عليها، مشفق يحرص عليها ويخاف ، فيذودها عن أبواب جهنّم ، ويعلّمها الكتاب والحكمة ، ويرشدها إلى مراقي السعادة ومرابع الهداية صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

وابن عمر الشاب الصائم العابد ، يرى في منامه جهنم فيقول حين يراها: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النّار، فيقص رؤياه على أخته حفصة أم المؤمنين فتقصّها على رسول الله صلى الله عليه وسلذم فيقول: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل.

وعبد الله شاب ينام في المسجد لحرصه على الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولتعلق قلبه بالمسجد الطاهر ، يرقد رقدة في الليل يراها المصطفى طويلة فيقول : نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ، فيبادر الشاب الناشئ في طاعة الله إلى القيام ، فلا ينام من الليل إلّا قليلاً.

والقائد الحريص على أصحابه يؤدّبهم بأدب الإسلام ، ويرغّبهم في جنّة عرضها السماوات والأرض، يخشى على قلوبهم الصافية المنيبة المخلصة دينها لله ، يخشى أن تتعلّق هذه القلوب بغير الله أو تستكين لسواه، أو تقبل على غيره وتركن اليه، فيتعهدها بالرعاية والتوجبه والنصح، والتحذير من الغفلة والتقصير في جنب الله.

ويلمس النبي صلى الله عليه وسلم في قلب عبد الله بن عمر رضي الله عنه المحبة لله ، واليقين الصادق ، والصلاح الظاهر والباطن ، فيقبل عليه ويأخذ بمنكبيه يخصّه بنصيحة تكون للراغبين إلى ربهم سبيل الوصول والنجاة قائلاً: ( كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل) ويعي عبد الله الوصية ، وبحرص على تطبيقها ، والأخذ بها دون تردد أو تقصير.

فيبقى غريباً غير مؤمن للدنيا وغرورها، يعبرها وكأنّها طريق يلتقي فيه الغرباء، يستظلون بشجرة هنا وخيمة هناك ، ويقيم أوده بما يجد من رزق الله ، عابراً يا ابن عمر لا مقيماً،وغريباً يا صاحب رسول الله لا تفتنك الدنيا وزهرتها، ولايغرنّك متاعها وقد وضعت نصب عينيك قرب لقاء الله.

تقبل على الطاعة وكأنّك تخشى أن تخذلك الصحة ويداهمك المرض والضعف والهرم ، وتترقب لحظة لقاء الله فلا ترى إلّا في طاعة أو عبادة أو عمل صالح لسان حالك قولك المأثور عنك: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك).

ولو أنّك ترى يا صاحب رسول الله وقد فتحت علينا الدنيا فغرّتنا واستعبدتنا فأرهقتنا، اشغلتنا عن الطاعات والقربات، فمددنا حبال الأمل مدّا طويلاً وما ذكرنا البلى والرّحيل، وضعنا في متاهات أعداءنا فتسلّطوا علينا بذنوبنا وأذلونا ، وما ذاك إلّا لأننا عرفنا الطريق وما لزمناه يا ابن عمر كنت والله كأصحابك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيّساً فطناً.

أدنتم النّفوس وعملتم لما بعد الموت ، وجاهدتم في سبيل الله ، وأقمتم منهج الله في أرض الله فأي خلف نحن لكم يا نجوم الهداية، أيها العابرون في هذه الحياة كالغرباء وقد اشتد بكم الشوق إلى لقاء الله واستوطنت قلوبكم تقواه ، فأنالكم جنّته ورضاه .

اللهمّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 
1613
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر