الجمعة  
1441/01/21
هـ  
 الموافق:    2019/09/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
رسالة عاجلة إلى الدعاة
رسالة عاجلة إلى الدعاة

ألقيتُ مرةً كلمة في أحد مساجد مدينة جدّة .

وبعد أن انتهيت منها قام الناس يسلمون عليّ ويشكرون ويثنون.

وإذا بي أُبصر أحد كبار السن يسير نحوي ، حتى إذا وصل عندي قال : ياشيخ أريد منك أن تُلقي مثل هذه الكلمة في حيّنا ، فإن مسجدنا قليل ما يأتي إليه الدعاة !.

فقلت له متبسماً : أبشر ياعميّ بإذن الله تتيسر لي فرصة قريبة وأزوركم .

فقال لي : اسمع ياشيخ " ترا احنا في ذمتكم يا أيها الدعاة " ! ثم ودعني وذهب .

وبقيت كلماته أسمعُ صداها داخل جدران قلبي إلى هذه اللحظة !

لا أخفيك سراً أنّ هذه الكلمة " احنا في ذمتكم أيها الدعاة " هزتني ، وبعثرة كياني ، وجعلت شعر رأسي يقف .

وكأنّ الله أرسله إليّ حتى يُوقظ همتي ، ويشدّ من عزيمتي التي يعتريها أحياناً المرض فتحتاج إلى علاجٍ بمثل هذه الكلمات المؤثرة فيمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد !.

أيها الدعاة : جعل الله النجوم مصابيح في السماء وعلامات يهتدي بها الساري ، وأنتم لَعمري مصابيح الأرض ، ودليل للعباد إلى ربّ العباد .

كم اهتدى بسببكم ضالٌّ كان يرتع في حياض المعاصي والشهوات المحرمة ، أنقذتموه بعد أن كاد يغرق !

حين ألقيت درسك ذات مرة عن فضائل الأعمال : السنن الرواتب ، وقيام الليل ، وصيام الاثنين والخميس وقراءة القرآن ، فإني منذ ذلك الوقت لم أترك هذه الأعمال ولازلت أداوم عليها ..

هنيئاً لك أيها الداعية فما عمل أحدهم عملاً صالحاً دليته عليه وأرشدته إليه إلا كان لك مثل أجره إلى قيام الساعة .

في الحديث الذي يرويه أبي هريرة - رضي الله عنه - عن قدوة الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً " .

فهل بعد هذا تكلّ أو تملّ ؟!.

أيها الدعاة : أنتم خير من تُظلله السماء وتحمله الأرض في الحديث " خير الناس أنفعهم للناس " وهل يوجد أفضل من نفعهم بما يدلهم على ربهم !.

أيها الدعاة : إن العالَم السماوي بما فيه ، والعالم الأرضي ومافيه ، وحتى عالم البحار والمحيطات مشغولون بكم وفي ذكركم .

في الحديث : " إنَّ الله وملائكته وأهل السَّموات والأرض حتَّى النَّملة في جحرها وحتَّى الحوت ليصلُّون على مُعلِّم النَّاس الخير " قالَ الحافظُ المناويُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ في «فيض القدير» (4 / 432، 433 ).

قال الطيبيّ : " فإنَّ الصَّلاة مِنَ الله رحمةٌ، ومِنَ الملائكة اِسْتغفارٌ، ومِنَ الغير دعاءٌ " .

وقال أيضاً - أي الطيبيّ - " ولا رتبة فوق رتبة مَنْ تشتغل الملائكة وجميع المخلوقات بالإسْتغفار والدُّعاء له إلى القيامة، ولهٰذا كان ثوابه لا ينقطع بموته، وإنَّهُ ليُتنافس في دعوة رجل صالح، فكيف بدعاء الملأ الأعلىٰ؟! " .

إن الفضائل كثيرة ؛ والحديث عنها يطول وذو شجون ، منها نصوص خاصة في الدعوة ، وأخرى عامة يمكن الإستنباط منها ؛ لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق .

إن الناس - أيها الداعية - بحاجتك ، ينتظرون نصحك وتوجيهك ، متعطشون لكلماتك التي تلامس قلوبهم ، وتروي عطشهم ، فلماذا توقفت أو كسلت ؟!.

لا تقل : الناس ملّوا ، الناس لا يحتاجوني عندهم الهواتف والوسائل الحديثة فيبحثون عما شاؤوا ..

يا صديقي إنها حيلةٌ شيطانية حتى يُزهدك في هذا الخير .

والله ما ألقيتُ كلمة أو درساً إلا وجدت الناس متلهفة متشوقة ليس لي ؛ إنما لنور الوحي والرسالة .. بل سمعتهم كثيراً مايقولون " لا تقطعونا " !.

أرجوك لا تلتفت لقلّة من يحضر محاضرتك أو درسك فالعبرة ليست بكثرة الحضور إنما العبرة بمن استفاد ، فالنبي يأتي يوم القيامة وقد تبعه واحد فقط ؛ ولربما أتى النبي لوحده لم يتبعه أحد ، كما جاءت بذلك الأحاديث !.

ويكفيك أنّ الملائكة الكرام البررة حضروا درسك أو محاضرتك وجلسوا لها. 

ففي الحديث الصحيح : " إن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا هلمُّوا إلى حاجتكم " .

واسمح لي أيها القارئ أن أوجّه عتباً لبعض إخواني من طلبة العلم العاكفين في مكتباتهم ، المنعزلين عن الناس ودعوتهم بحجة التفرغ لطلب العلم والقراءة ؛ اصدقني القول : هل كلمة واحدة أو درساً تُلقيه كل أسبوع سيكون ثقيلاً ويُشغلك عن طلب العلم ؟.

لا أظن ذلك .

هل نجح إبليس اللعين بإقناعك بهذه الحجة الواهية ؟.

هل يُشترط أن يكون الإنسان عالماً حتى يدعو إلى الله ؟.

وهل كان الصحابة كلهم علماء حين كانوا يرحلون هنا أو هناك للدعوة إلى الله ؟.

هل نسيت " بلغوا عني ولو آية " !.

يا أخي صدقني ستجد بركة دعوتك في علمك وحياتك كلها ..

قلي بربك مافائدة علم تجمعه في صدرك لا تبلغه للناس ؟ إلى متى سيبقى حبيساً ؟.

هل تنتظر الموت حتى يفجعك بزيارته ، فتتمنى حينها لو بلغت حديثاً واحداً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبقى أثره ونوره لك في قبرك ويوم الحساب ..

إنّه نهرٌ جاري من الحسنات في حياتك وبعد مماتك حين تُعلم ما تعلمته بدعوتك إلى الله ..

أخي الداعية : انطلق في دعوتك ولا تتوقف ، ولا تلتفت لكثرة العوائق ، فلو - سمح الله - وتوقفت من سيعلم الناس ؟ ومن سيهديهم إلى الله ؟ ومن سيوضح لهم سُبل الخير والشر ؟.

إن موجة الجهل التي تجتاح الأمة في أمور دينها لابد لها من نور العلم ليبدد ظلام هذا الجهل لكن من يحمل هذا النور إن قعدت أنت !.

أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن يدعو إلى الله على بصيرة وهدى .

 
1863
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر