الأربعاء  
1440/05/17
هـ  
 الموافق:    2019/01/23م    
 
مختارات علمية
   
مسائل في الاعتقاد
   
هل النبي أمّي ؟!
هل النبي أمّي ؟!

الحمد لله وحده وبعد :

فهذا رد على رسالة انتشرت في بعض مواقع التواصل الاجتماعي أرسلها لي أحد الإخوة يريد معرفة الحق فيها والرسالة تتحدث عن معنى ( الأميّة ) التي وصف بها النبي صلى عليه وسلم.

وفيما يلي مقدمة هذه الرسالة :

ﻫﻞ تعلم ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺳﻤﻲ الرسول ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ وسلم ﺑﺎﻷﻣﻲ . هاﻡ جداً ؟ ﻓﻲ المدارس ﻳﻌﻠﻤوﻥ التلاميذ.. ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺳُﻤﻲ الرسول ﻋﻠﻴﻪ الصلاة ﻭالسلام ﺃُﻣّﻲ؟ ﻷﻧﻪ ﻻ ﻳﻘﺮﺃ ﻭﻻ يكتب !! وهذا الخطأ ﺍﻟﻔﺎﺩﺡ.

ﺳﺄﻝ ﺃﺣد ﺍﻟﻨﺎﺱ عالم جليل ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: ﻟم ﺳﻤﻲ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺍﻷﻣّﻲ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟم : ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻘوﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻟﺮﺟﻞ : ﻳﻘوﻟوﻥ ﺃﻧﻪ ﺳُﻤﻲﺍﻷﻣَﻲ ﻷﻧﻪ لم ﻳﺤﺴﻦ ﺃﻥ يكتب ! ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ : كذبوا عليكم !! ثم زعم كاتب الرسالة أن العالم استدل بقول الله تعالى: ( ويعلمهم الكتاب والحكمة .. ) فكيف يعلمهم وهو لا يقرأ ولا يكتب ؟ "

وفي نهاية الرسالة ذكر بأن معنى الأمّيّ نسبته عليه الصلاة والسلام لأم القرى.

وفي الرد على هذه الرسالة أقول مستعيناً بالله :

هذه الرسالة افتتحت بأسلوب ترويجي سخيف يوحي بأن ما تعلمناه في مدارسنا غير صحيح ومجرد معلومات مغلوطة وخاصة في مثل هذه المعلومة الواضحة.

أخي الكريم : تأمل.. لماذا لم يذكر اسم الشيخ المزعوم؟. قد يكون من الفرق الباطنية من الرافضة وغيرهم، وقد يكون صاحب هوى وشبهات ولا يفقه شيئاً من دين الله، وقد تكون من شبهات المستشرقين والتي يعاد ترويجها ونشرها ما بين مدة وأخرى.

وبعد هذه المقدمة ننتقل إلى صلب الموضوع:

أولاً : قال الله تعالى عن النبي صلى عليه وسلم ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًالَارْتَابَ المُبْطِلُون ) {العنكبوت:48} .

فهذه الآية تدل على أن النبي صلى عليه وسلم لم يكن يقرأ أو يكتب قبل أن يوحى إليه ، وهذا كمال في حقه حتى لا تستقيم حجّة أعدائه حينما قالوا : إنما تعلم القرآن الذي يتلوه عليهم من كتب الأمم السابقة ، أو أخذه عن طريق أحد من البشر ، فلا يبقى إلا أنه وحي من الله جل وعلا.

ثانياً : وأما قول الله تعالى: ( هُوَالَّذِي بَعَث َ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُم ْيَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُم ُالكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل ُلَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {الجمعة:2}.

فمن معجزاته عليه الصلاة والسلام أنه أتى بكل هذه الأمور من التزكية والتعليم لأمته وهو أميّ لا يقرأ ولايكتب ومع ذلك جاء بما جاءت به الرسل من قبله مع كونهم يقرؤون وهو لا يقرأ ولا يكتب ولا يشترط لكل تعليم أن يكون المعلم والمربي يقرأ ويكتب.

وليست مهمته عليه الصلاة والسلام أن يعلم أصحابه القراءة والكتابة إنما هو مبلغ عن الله عز وجل وقد قام بذلك خير قيام، فكان يعلم أصحابه القرآن والإيمان ويتمم مكارم الأخلاق وغير ذلك.

وتعليمهم القرآن لم يكن بكتابته لهم إنما كان عن طريق التلقين والمدارسة ولذلك قال تعالى (( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ))[القيامة:16-18] .

ولو كان للكاتبة والقراءة شأن في حفظ هذا القرآن لما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حفظه وتكراره بعجلة ولكانت له ألواح كألواح موسى وهارون، بل لما كان هناك معنى لمدارسة جبريل عليه السلام لرسولنا صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل رمضان.

ثالثاً : أما كونه عليه الصلاة والسلام كتب أو قرأ بعد أن استقرت الحجّة وثبتت المعجزة بأميّته فإن في ذلك خلاف بين أهل العلم ذكر بعض العلماء بأنها معجزة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب وقرأ مع أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، ولكن الله أجرى القلم بيده فكتب ما أراد ولهم أدلة على ذلك لكنها لا تسلم من العلل والاعتراضات.

والراجح أنه عليه الصلاة والسلام بقي بهذه المعجزة حتى لحق بالرفيق الأعلى.

أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فاشترطوا عليه أن لا يقيم بها إلا ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح ولا يدعو منهم أحداً، قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لوعلمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك؛ ولكن اكتب: هذا ماقاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال: أنا والله محمد بن عبد الله وأنا والله رسول الله، قال: وكان لا يكتب.

قال: فقال لعلي: امح رسول الله، فقال علي: والله لا أمحاه أبدا، قال: فأرنيه، قال: فأراه إياه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده،فلما دخل ومضى الأيام أتوا عليا فقالوا: مر صاحبك فليرتحل، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم ثم ارتحل. اهـ.

رابعاً : أما قوله تعالى ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ.. ))[الجمعة:2].

قال ابن عباس : ( الأميون العرب كلهم ، من كتب منهم ومن لم يكتب؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ) القرطبي.

وهناك أقوال أخرى في معنى ( الأميون ) ذكرها المفسرون كلها تدور حول قول ابن عباس رضي الله عنه ولم أجد من فسرها بأن المعنى أنهم ينتسبون لأم القرى بل هو قول مُحدث لا دليل عليه.

خامساً: من حيث اللغة فإن النسب إلى «أم» في « أم القرى » لا يصح؛ لأنه عند النسب إلى المركب تركيباً إضافياً؛ فإنه يمتنع النسب إلى صدره إن كان فيه لبس أو كان كنية أو كان صدره معرّفًا بعجزه؛ فإنه حينئذٍ يُنسب إلى العجز . انظر: [ النحو الوافي؛ لعباس حسن، ج٤/ص ٧٣٩ ] .

وختاماً: فإن الواجب على العبد أن يتقي الله فيما يقول ويكتب وينقل وكل ذلك سيسأل عنه الإنسان وأن يحذر من الخوض فيما لا يعلم، والعاقل لا يحمل أوزار المسلمين بالتلبيس عليهم بغير علم ولا هدى وصلى الله وسلم على نبينا محمد. 

 
2881
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر