الأربعاء  
1440/09/18
هـ  
 الموافق:    2019/05/22م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
والعصر !!
والعصر !!

إن المتأمل في آيات الله المقروءة ليجدُ أن الله عز وجل يُرشدنا في أحيان كثيرة إلى أهمية الوقت وعِظم شأنه ، فتارة يُقسم به والله عظيم لا يُقسم إلا بعظيم قال تعالى: " والعصر ".

وحين تقرأ في تفسير أهل العلم كالطبري والقرطبي والشوكاني وابن كثير وابن سعدي رحمهم الله جميعاً تجد أن كلامهم متقارب في معنى " العصر ".

فبعضم قال : الدهر ، وآخر يقول : وقت العصر ، وآخر يقول : الليل والنهار ، وكل تلك الأقوال بمجموعها تعني : الوقت .

وتارة يذكر ربنا سبحانه ما حصل للأمم السابقة وعدم استغلالهم الفرصة التي أتيحت لهم في ذلك الوقت بحيث يؤمنون بالله ويتبعون رسله؛ فيتحقق لهم بذلك النجاة من الهلكة .

وتارة أخرى يحثنا على التزود من الخيرات " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " وهذا التزود لايكون إلا في الليل والنهار الذي هو الوقت ، وهلمَّ جرا من تنوع الأساليب في الحث على العناية بالوقت واستغلاله في النافع .

أما في السُنة؛ فتجد البيان الواضح كالشمس في رابعة النهار أننا سنُسأل عن أوقاتنا فيما أمضيناها ؛ هل فيما يعود نفعه أو بما يلحقنا ضرره أو إثمه؟! .

رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ : " لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ " وذكر منها : "عَن عُمُرِه فيما أفناهُ " .

ونبينا عليه الصلاة والسلام كان من حرصه على وقته واستغلاله فيما يعود نفعه لا يجعل نفساً يخرج منه إلا بذكر لله عز وجل ، كان عليه الصلاة والسلام يذكر الله عز وجل على كل أحيانه ـ كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها ـ .

أردت من ذلك أيها القارئ الكريم أن أبين لنفسي ولك مدى الحرص من شرعنا المُعظم على العناية بالوقت واستغلاله فيما يعود نفعه .

مع ذلك لو تأملت في حالنا لوجدت أننا نضيع كثيراً من الأوقات ولا نستغلها الاستغلال الأمثل !.

لو فتشت في نفسك لوجدت أوقاتاً ضائعة وكثيرة بإمكاننا استثمارها فيما ينفعنا، ومن تلك الأوقات الضائعة :

1- بين الأذان والإقامة : صحيح أننا مشغولون وعندنا أعمال ومهام ومسؤليات ؛ لكن ما المانع أن نجعل وقت الصلاة وقتاً مقدساً ـ وهو كذلك ـ بحيث نعود أنفسنا ألا يؤذن إلا ونحن في المسجد ، فنكسب بذلك : أجر الخُطى إلى المسجد ، والتبكير إلى الصلاة ، والصلاة بين الأذان والإقامة ، والدعاء بين الأذان والإقامة الذي جاء في الخبر أنه مستجاب ، وحضور الصف الأول ، وقراءة القرآن ، هل تصدق أنك لو فعلت ذلك لاستطعت أن تقرأ جزءاً على الأقل كل يوم !.

2- في السيارة : باتت السيارة حاجة ملحة حيث ننتقل بها لصلة الأرحام ، وللذهاب للعمل ، ولشراء مايُحتاج إليه ... فلماذا لا نجعل هذا الوقت مفيدا بسماع مادة نافعة ؟ لقد جربت تجربة أراها رائعة حيث قمت بشراء ألبوم مكون من (18)سيدي، عنوانه روائع السيرة النبوية للشيخ عائض القرني ـ حفظه الله ـ .

وكنت كلما ذهبت هنا أو هناك أسمع ما تيسر ، فاستفدت كثيراً.

بإمكانك أن تقوم بتجربة مشابهة فستجد أن الوقت الذي تقضيه في السيارة ممتعاً ، حتى ولو كان الطريق مزدحماً أو حتى كانت المسافة طويلة ، فلن تمل بعد اليوم !.

3- الزيارات : أتفق معك أيها القارئ الكريم أن التواصل والخلطة بالمجتمع ولقاء الإخوان لابد منه ، وما سمي الإنسان إنساناً إلا لأنه يأنس بغيره ، لكن المشكلة ـ سلمك الله ـ أن البعض ذهب وقته كله في الزيارات : قهوة في العصر ، وجلسة المغرب عند ... ، وبعد العشاء سهرة وعشاء ثم النوم !.

والمشكلة العظمى إذا كانت تلك المجالس لا يذكر فيها الله ، بل تجد أن غالبها لعب ولهو، وربما غيبة لفلان أو استنقاص أو استهزاء ، وبعضها يخالطها منكرات وأمور لا ترضي الله عز وجل !.

الحل هو : في تنظيم أوقات للزيارات وأن يستغل ولو جزء منها بشئ نافع كقراءة حديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ثم بعد الإنتهاء من قرائته نبدأ النقاش حول فوائد ذلك الحديث أو غير ذلك مما هو نافع ، صدقني سيكون لمجالسنا مذاق آخر !.

4- الأجهزة الحديثة وشبكات التواصل : وهذا من أكبر المشغلات في هذا الزمان ، حيث تجد الواحد منا ( وما أبرئ نفسي ! ) عاكفاً على هاتفه ، محدقاً بعينيه في شاشته ، لايرفعها إلا أن يشاء الله !.

فإذا انتهي من التغريد ذهب إلى السناب ليشارك يومياته وينظر في يوميات الآخرين ، فإذا أغلقه اتجه فوراً إلى الواتس آب ليزور المجموعات ويسولف ويضحك أو يتحدث مع صديق برسالة خاصة ! فإذا انتهى من ذلك كله ذهب إلى اليوتيوب ليتابع آخر الأحداث وأجدد المقاطع ! وذهب الوقت على هذه البرامج ..

وكم أخاف أن نندم على تلك الساعات التي قضيناها على تلك الشبكات في يوم لاينفع فيه الندم ! نعم .. لا أبالغ إن قلت هي ساعات كثيرة نقضيها في تلك الشبكات تغريداً وتسنيباً وحديثاً !.

هل نظن أننا أشخاص ذو أهمية عالية فلابد ان نتواجد في تلك الشبكات على الدوام ! حتى ولو كنت شخصية هامة ولها حضورها في المجتمع ، فليس ذلك مسوغاً لبقائك ساعات طويلة في تلك البرامج .

اسمح لي أقولها وبكل صراحة : " ترا ماحد درى عنك " ورحم الله امرئاً عرف قدر نفسه ! أو أنها ( الفضاوة ) ربما ، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى مقال غير هذا .

أذكر أنني في يوم من الأيام تركت برامج التواصل يومين ( 48 ساعة ) فما وجدت شيئاً تغير ، فالسماوات في مكانها والأرض كذلك لازالت ثابتة ، والجبال كما هي راسية ، والعالم في استقرار وهدوء .. نعم لم يتغير شيء ! فلماذا نوهم أنفسنا احياناً أنه يجب ولابد أن نكون متواجدين في تلك الشبكات كل وقت ؟.

أنا لا أقول اتركها وأزلها من جهازك ، إنما هي دعوة فقط لتنظيم أوقات دخولنا على تلك الشبكات .

لماذا لا نقوم بتجربة أنا وأنت وهي : إذا دخل وقت صلاة العشاء فلا ندخل على تلك الشبكات أبداً ، وفي اليوم التالي ننظم دخولنا بحث يكون مثلاً : نصف ساعة في الصباح وأخرى في المساء . والله لتجدن أنساً وراحة في قلبك ، وهدوءاً واستقراراً نفسياً عجيباً ، وستكتشف أن لديك الكثير من الوقت لاستغلاله فيما ينفعك ديناً ودنيا .

يامن تقرأ كلامي ، تلك الأسطر التي قرأتها إنما هي دعوة لنفسي أولاً ثم لك ، أن نُعيد النظر في أوقاتنا وأن نحسن ترتيبها وتنظيمها ..

كل الذين تميزوا في حياتهم وكان لهم أثر باق لم نزل نراه وسيراه الأجيال من بعدنا بدءاً بسيد الخلق النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من صحابته وسلفنا الصالح رضي الله عنهم جميعاً ووصولاً إلى عصرنا الحاضر وما أخرجه لنا العباقرة كأنيشتاين ونيوتن وستيف جوبز وغيرهم ، كل أولئك هم مثلي ومثلك كانوا يملكون 24 ساعة في اليوم ، ولكنهم أحسنوا تنظيم أوقاتهم ، فخلد الله ذكرهم ، وأبقى أثرهم ..

أسأل الله أن يوفقني وإياك لاستغلال أوقاتنا فيما يقربنا من ربنا .

 
911
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر