الأربعاء  
1440/09/18
هـ  
 الموافق:    2019/05/22م    
 
مختارات علمية
   
مسائل فقهية
   
الفروق بين الحدود والقصاص والتعازير
الفروق بين الحدود والقصاص والتعازير

إذا كانت العقوبات التي شرَعها الإسلام حدودًا وقصاصًا وتعازيرَ - تتفق في كونها تأديبًا واستصلاحًا وزجرًا [الأحكام السلطانيَّة؛ لأبي يعلى ص263] فإنَّ هناك اختلافاتٍ ظاهرةً تميِّز التعازير عن غيرها من العقوبات، وأهمُّ هذه الاختلافات ما يلي:

1- العقوبات المقرَّرة لجرائم الحدود والقصاص هي عقوبات مقدَّرة معينة، فهي عقوبات لازمة، ليس للقاضي أنْ يستبدلَ بها غيرها، وليس له أنْ ينقص منها أو يزيد فيها[التشريع الجنائي مقارنًا بالقانون الوضعيِّ؛ عبدالقادر عودة 1/ 687].

أمَّا التعازير، فهي عقوبات غير مقدَّرة؛ ولذلك وقع حولها خلافٌ؛ فقال مالك وأبو حنيفة: إنْ كان (أي التعزير) لحقِّ الله تعالى وَجَبَ؛ كالحدود، إلا أنْ يغلب على ظنِّ الإمام أنَّ غيرَ الضرب مصلحة؛ من الملامة والكلام، وقال الشافعي: هو غير واجب على الإمام؛ إن شاء أقامَه، وإن شاء تَرَكَه، محتجًّا بما وَرَد في الصحيحين أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يُعزِّر الأنصاريَّ الذي قال له في حقِّ الزبير في أمر السَّقي: "أنْ كان ابنَ عمَّتِك"[الفروق؛ للقرافي 4/ 179 - تبصرة الحكام؛ ابن فرحون 2/ 223].

2- العقوبات المقرَّرة لجرائم الحدود والقصاص لا تَقبل العفو ولا الإسقاط من وليِّ الأمر، أمَّا التعزير، فيقبل العفو مِن وليِّ الأمر، سواء أكانت الجريمة ماسَّة بالجماعة أم بالأفراد[التشريع الجنائي؛ عبدالقادر عودة 1/ 687].

قال القرافي رحمه الله: إنَّ التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافًا، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة؛ لقول الله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ [المائدة: 34][الفروق 4/ 181.].

قال ابن فرحون: يجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه إذا كان لحقِّ الله، فإن تجرَّد عن حقِّ آدميٍّ، وانفرد به حق السلطنة، كان لوليِّ الأمر مراعاةُ حكم الأصلح في العفو والتعزير، وله التشفيع فيه؛ روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اشفعوا إليَّ لتؤجروا، وليقض اللهُ على لسان نبيِّه ما يشاء[سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الشفاعة 4/ 497].

3- عقوبات جرائم الحدود والقصاص يُنظر فيها إلى الجريمة، ولا اعتبار فيها لشخص المجرم، أمَّا التعازير، فينظر فيها إلى الجريمة وإلى شخص المجرم معًا[التشريع الجنائي؛ عبدالقادر عودة 1/ 687].

وهي تختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه والجناية[9]، فإن كان القول من دنيء القدر مخاطبًا به لرفيع القَدْر، بولغ في الأدب، وإنْ كان العكس فالعكس؛ ففي سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم، إلا الحدودَ[سنن أبي داود، كتاب الحدود]))[تبصرة ابن فرحون 2/ 225].

وبناءً على هذا؛ يكون تعزير مَن جلَّ قَدْرُه بالإعراض عنه، وتعزيرُ مَن دونه بزاجر الكلام الذي لا قذف فيه ولا سبَّ، ثم يُعدَل بمن دون ذلك إلى الحبس، الذي ينزلون فيه على حسب هفواتهم، وبحسب رتبهم؛ فمنهم مَن يُحبس يومًا، ومنهم مَن يحبس أكثر منه إلى غايةٍ غيرِ مقدَّرة، ثم يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد إذا تعدَّت ذنوبُه إلى اجتلاب غيره إليها واستضراره بها[الأحكام السلطانية؛ لأبي يعلى ص 263 - وينظر أيضًا: الأحكام السلطانية؛ للماوردي ص206].

ومما يشهد ويؤكِّد ما قلناه أنَّ الخلفاء المتقدِّمين كانوا يعاملون بقَدْر الجاني والجناية؛ فمنهم مَن يضرب، ومنهم مَن يحبس، ومنهم مَن يقام على قدميه، ومنهم مَن تُنزع عمامته، ومنهم مَن يُحل إزاره[الذخيرة 2/ 118 - 119].

4- عقوبات جرائم الحدود والقصاص لا تختلف وإن اختلفت الأعصار والأمصار، أمَّا التعازير، فتختلف؛ فرُبَّ تعزير في عصرٍ يكون إكرامًا في عصرٍ آخر، ورُبَّ تعزير في بلادٍ يكون إكرامًا في بلد آخر؛ كقلع الطيلسان - لباس من ألبسة العجم - بمصر تعزير، وفي الشام إكرام، وككشف الرأس عند الأندلسيين ليس هوانًا، وبالعراق ومصر هوان[تهذيب الفروق؛ لمحمد علي 4/ 209].

 
2413
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر