الأثنين  
1440/09/16
هـ  
 الموافق:    2019/05/20م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
الكبر المحمود
الكبر المحمود

قد يبدو العنوان على خلاف المعروف بيننا والمعهود في أذهاننا، ذلك أن الذي جاء به ديننا الحنيف ورسولنا الكريم هو ذم الكبر واستقباحه نظراً لما فيه من استعظام للنفس، واستحسان لفضائلها، واستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع على من يجب التواضع له .

ولذلك تواترت الآيات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة الداعية إلى ضرورة التنزه عن هذا الخلق الذميم الذي يحول بين المرء ومعرفة قدره ويحمله على العجب والرياء.

ويكفينا في ذلك ما ذكره الله تعالى في شأن إبليس اللعين المتكبر الأول الذي أعجب بنفسه فتكبر عن أمر ربه وأبى أن يسجد لآدم عليه السلام لا لشيء إلا لأنه توهم نفسه خيراً منه.

قال الله تعالى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " الأعراف : 11 - 12 .

ومن ذلك أيضاً ما نزل في قارون ذلك المتكبر المغرور الذي اغتر بثروته وزينته : " فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ " القصص : 79 - 81 .

ومن ذلك أيضاً ما ذكر في شأن لقمان الحكيم مع ابنه الذي كان يتعهده ويرعاه ناصحاً إياه بجملة من الأمور في مقدمها ترك الكبر والعجب قال تعالى : (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ " لقمان : 18 ".

قال ابنُ كثيرٍ : " وَلَا تُصَعِّر خَدّك لِلنَّاسِ " أي: لَا تَتَكَبَّر فَتَحْتَقِر عِبَاد اللَّه وَتُعْرِض عَنْهُمْ بِوَجْهِك إِذَا كَلَّمُوك ، وَقَوْله " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " أَيْ خُيَلَاء مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا . (تفسير القرآن العظيم لابن كثير).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ " فقال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حسناً، ونعلهُ حسنا قال: « إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ » رواه مسلم .

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ » متفقٌ عليه .

ومثل هذه الأحاديث وتلك الآيات الكثير مما ينهى عن الكبر ويحذر من سوء عاقبته في الدنيا والاخرة، غير أنه باستقراء النصوص الشرعية نلاحظ أن الكبر إنما ذُمّ في جانبٍ وهو التكبر عن الطاعات وعن أمهات الفضائل.

أما جانبُ المنهيات والرذائل فهذه يجب على الإنسان التكبر عنها بكل ما أوتي من قوة وليبالغ في ذلك تقرباً إلى الله تعالى، ولذلك وجب التكبر عن الشرك بمختلف مراتبه، وعن الزنى و كل ما يؤدي إليه.

وعن الربا وشرب الخمر والكذب والغش وما إلى ذلك من الفواحش القولية والفعلية ، فهذه كلها يجب على المرء أن يستصغرها ويحتقرها ولا يرضى باقترافها وأن يتسامى عنها فضلاً عن الترفع عن الدنيا وملذاتها طمعاً فيما عند الله سبحانه وتعالى.

قال الإمام الغزالي رحمه الله : المتكبر من العباد هو الزاهد العارف ، ومعنى زهد العارف أن يتنزه عما يشغل سره من الخلق ، ويتكبر على كل شيء سوى الحق تعالى ، فيكون مستحقرا للدنيا والآخرة جميعا مترفعاً عن أن يشغله كلاهما عن الحق تعالى .

وزهد غير العارف معاملة ومعاوضة، فإنما يشتري بمتاع الدنيا الآخرة نفيترك الشيء عاجلاً طمعاً في أضعافه آجلاً ، وإنما هو سلم ومبايعة ، ومن استعبدته شهوة المطعم والمنكح فهو حقير إن كان ذلك دائماً .

وإنما المتكبر من يستحقر كل شهوة وحظ يُتصور أن يساهمه البهائم فيه ( المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى لابي حامد الغزالي ) .

 
705
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر