الجمعة  
1440/12/22
هـ  
 الموافق:    2019/08/23م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
الحبس النافع
الحبس النافع

يقول الإمام ابن القيم:

"طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه، إلا بِحَبْسَيْن: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره، وحَبْسِ لسانه عَمَّا لا يُفيد، وحبسه على ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومَعرفته، وحبس جوارِحِه عن المعاصي والشهوات، وحبسها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربَّه، فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه، ومتى لم يصبر على هذين الحبسَيْن، وفَرَّ منهما إلى فضاء الشهوات، أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدُّنيا، فكُلُّ خارجٍ من الدُّنيا إمَّا مُتخلص منَ الحبْس، وإما ذاهب إلى الحبس؛ وبالله التوفيق".

الكل يعلم أن الحبس فيه مشقة وضرر على الإنسان، وذلك لأنَّ الإنسان يُحب أن يكون حُرًّا يفعل ما يشاء في أي وقت، والحبس يسلبه هذه الحرية.

ولكنَّ هناك حبسًا نافعًا يأخذ بالإنسان إلى نعيم الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ هذا الحبس - كما قال ابن القيم - نهايته الفضاء الواسع، نِهايته جَنَّة عرضها السموات والأرض، فالمؤمن يعيش في سجن، ولكنَّه بالنسبة له جنة، والكافر يعيش في جنة الدُّنيا، وهي في الحقيقة سجن؛ لأنَّ مصيره إلى سجنٍ أبديٍّ لا يَخرج منه أبدًا؛ لذا وصف القرآن عيشة الكفار بالمتاع، وأنَّهم كالأنعام: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ [محمد: 12].

((فالدُّنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر))، كما أخبر بذلك المعصوم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فطالِبُ الآخرة لا يستقيم حبسُه إلا بحبسه لهذه الثلاث: "القلب، واللسان، وبقية الجوارح":

الحبس الأول: حبس القلب على طلبه ومطلوبه، وعدم الالتفات إلى غيره:

القلب كي يُؤدِّي عمله جيدًا لا بد من سريان الدِّماء فيه، فإذا جمدت الدماء جَمد القلب وتلف، وهذه هي حياته المادية.

وأمَّا حياته المعنوية، فتحتاج إلى سريان آخر؛ كي يَحيا، وهو سريان الإيمان في القلب، والقلب الممتلئ بالإيمان هو قلبٌ مَشغول بالله والدار الآخرة، قد عكف اعتكافًا تامًّا لمولاه، ابتغاءَ مرضاته حُبًّا ورضًا وتوكلاً وإنابة، كما أنَّ القلبَ الخالي من الإيمان حبس على الشهوات والشبهات، وتلوث قلبه بالأنداد والأعراض الزائلة، فشتَّان بين قلب محبوس لله لا يلتفت إلى غيره، وقلب نَسِيَ اللهَ والتفت إلى خلقه بكليته.

الحبس الثاني: حبس اللسان (إطلاقه فيما ينفع، وإمساكه عما يضر):

اللسان نعمةٌ من نِعَمِ الله، وهو سلاح ذو حَدَّيْنِ.

يقول الإمام الغزالي: "اللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغيرٌ جِرمُه، عظيم طاعته وجُرمه؛ إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان، وأعصى الأعضاءِ على الإنسان اللِّسان، فإنه لا تعب في إطلاقه، ولا مُؤنة في تحريكه، وقد تساهَلَ الخلقُ في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مَصايده وحبائله، وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان.

ولخطورة اللسان أمر الشرعُ العبدَ بِحَبسه عن الكلام الذي لا فائدةَ فيه، وصونه من الآفات كفضول الكلام، والخوض في الباطل، والمِرَاء، والخصومة، والتقعر في الكلام بالتشدُّق، والفحش، والسب، واللعن، والسُّخرية، والكذب، والبُهتان، وغيرها من الآفات.

حال الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع اللسان:

عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: "كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يذكر الله على كل أحيانه"؛ (متفق عليه).

وعن عبدالله بن أبي أوفى يقول: "كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُكثِر الذكر، ويقل اللغوَ، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يَمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضي له الحاجة"؛ (انظر حديث رقم: 5005 في صحيح الجامع).

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت))؛ (متفق عليه).

وعن أبي أمامة عن عقبة بن عامر قال: "قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابْكِ على خطيئتك))؛ قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسن، وقال الشيخ الألباني: صحيح.

حال الصحابة - رضي الله عنهم - والسلف الصالح مع اللسان:

لقد فقه الصحابة مسؤولية الكلمة، وعرفوا أمانتَها، ووعوا خطورتَها؛ فهذا صدِّيق هذه الأمة: أبو بكر - رضي الله عنه - كان يضع حصاةً في فيه يَمنع بها نفسه عن الكلام، وكان يشير إلى لسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد".

وكان عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: "والله الذي لا إله إلا هو، ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان"، وقال طاوس: "لساني سَبُع، إنْ أرسلته أكلني".

وكان الربيع بن خثيم يقول: "لا خير في الكلام إلاَّ في تسع: تهليل، وتكبير، وتسبيح، وتحميد، وسؤالك من الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونَهيك عن المنكر، وقراءتك للقرآن"، والآثار في ذلك الأمر كثيرة؛ (انظر نضرة النعيم).
  

 
1124
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر