الثلاثاء  
1440/09/17
هـ  
 الموافق:    2019/05/21م    
 
ركن الأسرة
   
همسات وإشارات
   
تجاعيد صديقتي المطلقة
تجاعيد صديقتي المطلقة

حينما ألْمَحُ جحافلَ التجاعيد تزحف غيرَ مبالية؛ لتحتلَّ جزءًا كبيرًا مِن وجه صديقتي المُطلَّقة، الذي كنَّا نتغنَّى بجماله أيَّامَ الجامعة، وأسمعها تتحدَّث وكأنَّها تودع قلبَها الذي أنهكتْه الجِراح إلى الثَّرَى، وقطار العُمر يُسرع متلهفًا في اتِّجاه اللَّيْل الأخير.

أكاد أسمع صوتَ تميُّزِ ذلك القلْب، وهي تحدِّثني عن ليلها الخاوي، وفراشها البارد، لا يُرافِقها سوى أرَقِها الطويل، ولا يزورها سوى مواسمِها الجافَّة، التي غاب عنها المطرُ فجفَّت المشاعر، وأصبحتِ الطرق المؤديَّة إلى القلْب أكثرَ وُعورةً، فتعسَّر الوصول.

وكم تُعاني مِن نظراتِ المحيطين الذين يَفتحون ويُغلقون فصولاً في حكايتها المنتهية، فتَبِيت دامعةَ العين، مؤرَّقةَ المشاعر، منكسرةَ القَلْب، تتوارَى من أعينهم وكأنَّها خارجةٌ من عقوبة بالحَبْس في قضية مُخِلَّة بالشَّرَف! لتعود لمحبسها الانفرادي تحتضنُ وسادتَها الخالية.

ولا يُعزِّيها سوى الدخولِ في غياهبِ الكُتب "الرفقة الآمنة" - كما يحلو لها أن تُسمِّيَها - بعيدًا عن طنين اللَّوْم اليومي، ووصلات العِتاب من الأهل والأصدقاء، التي تخترق رُوحَها، يُلقونها في وجهها بلا شَفَقة، فقد نصَّبوا أنفسَهم مفكِّرين ومحلِّلين، ووضعوها على رأس المتَّهَمين، بزلزلة حياتها، وتحويلِها إلى أنقاض، يتَّهمونها بالفشَل مرةً، وعدمِ الصبر مرة، والتخلِّي مرَّات!!

وعندما أستمع إلى أزيزِ مشاعرِها المختنِقة بوجه هرَبَتْ منه البَهْجة، وأَلِفَه الكَدر، أهرع إلى مِرآة زَوجي، وألْمح نظراتِ الحب والرِّضا في عينيه، فأراني في عينيه مَلِكةً متوَّجة، فأعود متأبِّطةً أمانَ الثقة إلى مِرآة حُجرتي، فإذا بالورود مُزهرة، ووهج الحياة تلمع بعيوني، متسائلة في دهشة:

أهكذا الحبُّ يُحيي القلْب ويميته، بمدَى اقتراب الحبيب أو بُعْده؟!.

أهكذا الحبُّ يفعل فِعْلتَه بالمرأة؛ يُلقِي في وجهها النضارةَ، أو يسرقها منها؟!

أَلِتلك الدرجة للرجل مكانةٌ مؤثِّرة عندَ المرأة، ويترك غيابُه عندها كلَّ هذه التوترات، فإذا بالرُّوح خاوية، والقلْب تتقاذفه الحَيْرة؟!

فوعيتُ الرسالة، وفككتُ شفرتَها لصالِح الحبيب، وها أنا أصعَدُ إلى موكبِه البهيج لأدلفَ مِن أوراق الزَّهْر إلى جنة قلْبه المُزهرة، فيُرخي الليلُ ستائرَه وأنا في هذا النعيم.

عزيزتي:

نِعمةٌ كبيرة اسمُها البيت، ونِعمة اسمها الأمان في حضْرة الزَّوْج، نِعمتان لا يشعرُ بهما إلا مَن فقدَهما، فاحْتَضِني نِعمَ الله، وتَمْتِمي بالحمْد.

 

 

 
789
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر