الثلاثاء  
1440/07/20
هـ  
 الموافق:    2019/03/26م    
 
مقالات
   
ثقافة التطوير
   
ثقافة تغيير السائق
ثقافة تغيير السائق

اغتربَ ثلاثةُ إخوة فترة من الزمن، وجمعوا مبلغًا من المال، ولصعوبةِ الغربة وبُعدهم عن الأهل والأولاد، قرَّروا العودة إلى بلدهم، واستثمار هذا المبلغ في مشروع تجاريٍّ، يدرُّ عليهم دخلًا يغنيهم عن العودة للغربة مرة ثانية.

وقد تداولوا الأمر فيما بينهم مليًّا، ورأوا أن يستشيروا صديقًا لهم ممن يأنسون لرأيه، فأشار عليهم بشراء سيارة أجرة، وأكد عليهم بضرورة مراقبة السائق جيدًّا.

فاستحسنوا ذلك الرأي، واشتروا سيارة أجرة، وأخذًا بنصيحته في مراقبة السائق، قرروا أن يركب أحدهم في المقعد الأمامي، والآخران في المقعد الخلفي، وطلبوا من السائق أن يجوب شوارع مدينتهم بحثًا عن ركاب لنقلهم.

فمضى اليوم الأول دون أن يجدوا زبونًا يطلب منهم توصيله، ويمضي تبعًا لذلك كامل الأسبوع الأول دون أن يدرُّوا أيَّ دخلٍ حتى لتغطية مصاريف محروقات السيارة.

وهنا أخذوا في تداول هذه المشكلة فيما بينهم، ولما لم يجدوا جوابًا لحيرتهم، قرروا معاودة الاتصال بمستشارهم علَّهم يجدون لديه الحلَّ الناجعَ، فقال لهم: السبب معروف، غَيِّروا السائق.

وفعلًا سرَّحوا السائق الأول بعد أن أعطوه راتبه، واتفقوا مع سائق ثانٍ لقيادة سيارتهم، ويمرُّ الأسبوع الثاني أيضًا كسابقه دون أي تحسن، ثمَّ يعاوِدون الاستشارة مرة ثالثة طلبًا لحل معضلتهم المستعصية.

ويشير عليهم بتغيير السائق أيضًا، فيغيرونه كما فعلوا مع سابقه، ويتفقون مع سائق آخر، ولكن الحال تبقى كما هي، وهنا أخذ يتملكهم اليأس، وتصل بهم قناعتهم إلى بيع السيارة، والعدول عن فكرة الاستثمار في مشروع سيارة الأجرة!

وهنا كان من الأولى على هؤلاء المستثمرين عمل دراسة جدوى اقتصادية للمشروع ليضمنوا نجاح المشروع واستمراريته.

فدراسة الجدوى الاقتصادية لأيِّ مشروع جديد تمكِّن صاحب المشروع من الإقدام على مشروعه بثقة عالية واطمئنان لنجاح مشروعه ووصوله إلى برِّ الأمان، وتتم دراسة الجدوى بجمع المعلومات وتحويلها إلى معرفة تعمل على تقليل المخاطر، وتوضح كيفية التعامل مع المنافسين والتعرف على الخبرات المطلوبة للعمل بالمشروع، وكذا تُنبئ عن العوائد المتوقعة، والمؤثرات الخارجية كالقوانين والمنافسة والتطور المتوقَّع في المجتمع وفي الخدمة.

ومن المعلوم أن الفشلَ في الحياة يقع بسبب سوء الإدارة وعدم التخطيط، وليس بسبب قلة الإمكانات والموارد، ولهذا أشار القرآن في هذا الشأن بقوله تعالى: ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ [يوسف: 47]، فهنا إيضاحٌ للطريقة المثلى لتخزين إنتاج المحصول الزراعي.

وإذا أردتَ أن تكون منافسًا بارعًا في مشروعك، فقارن بين ما تقوم بعمله فعلًا، وما أنت قادر على عمله.

فالمنافس الحقيقي ينبغي أن يقيس نفسه مع نفسه، وليس مع شخص آخر، والعاقل يعي أن الحياة مليئة بالحفر التي قد يتعثر فيها السائر، وقد تعوقه عن التقدم للأمام.

وعليه أن يؤمن أنه يمتلك قدراتٍ سوف تؤهله لتحويل ذلك الفشل إلى نجاح متى ما كانت لديه عزيمة وإصرار.

وحذار من تكرار الخطوات نفسها التي قد قادت إلى فشلٍ سابق.

يقول أينشتاين: "الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه عدة مرات بالخطوات نفسها، مع توقُّع نتائج مختلفة ".

ولا شك أن الكثير من الناس مرَّ بمحاولات فشل في حياته، فمنهم من حوَّل الفشل إلى إحساس باليأس والإحباط مما جعله يتراجع ويتوقف تمامًا عن المحاولة.

ومنهم من جعل الفشل سلمَ نجاحٍ صعد من خلاله إلى أعالي الدرجات، كما هو نجاح توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي بعد أكثر من 99 محاولة فاشلة، وكما فعل إبراهام لينكولن الذي أوصلته محاولاته الفاشلة إلى قيادة أمريكا كرئيس لها بعد سلسلة من التجارب الفاشلة، وذلك بفضل إصراره وعدم استسلامه، وهو الذي لخص تجاربه بقوله: لن تفشل إلا إذا انسحبت، وعلى الشخص أن يتعامل مع التجارب الفاشلة على أنها دروس يتعلم منها.

وفكرة تغيير السائقِ هي ثقافة الكثير من المؤسسات وخاصَّة في دول العالم الثالث، تلك التي لا يكون لدى المؤسسة رؤية واضحة، أو كانت ذات خطط عقيمة، أو أن مدير المؤسسة لم يُعْطَ صلاحياتٍ كافية.

فعندما يفشل ذلك المدير في إنقاذ المؤسسة من التخبُّط والعشوائية، فإن مصيره هو العزل، والإتيان بمدير آخر، دونما النظر للعوامل الأخرى كدراسة الجدوى والتخطيط السليم ومنح الصلاحيات أو تفويضها، وبمثل هذا سوف تبقى الحال كما هي، وكأنما المؤسسة تدور في حلقة مفرغة، والله المستعان!

فاصلة: تصرَّفْ كما لو أنه من المستحيلِ أن تفشل.

 
304
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر