الأربعاء  
1440/05/17
هـ  
 الموافق:    2019/01/23م    
 
ركن الأسرة
   
أبناء وبنات
   
الاستثمار في الأبناء
الاستثمار في الأبناء

نتداول في حياتنا اليومية بعض المصطلحات، التي قد نحصرها في نطاق الزاوية المادية؛ لاعتبارها الجهة القابلة للنمو والتوسع بشكل ملحوظ.

فنستخدم فيها الاستثمار على أنه قيمة ربحية يمكن أن تضاف على رأس المال في حال تم استغلالها بشكل جيد، وفق استراتيجيات وخطط لها أهدافها وأبعادها المدروسة والقابلة للتطوير. فكل تقدم يحتاج لخطط جديدة لإحراز المزيد من التقدم دون الوقوف على أعتاب الماضي مع التطلع للمستقبل.

وكذلك هي التربية فهي في حقيقتها استثمار في أهم رؤوس أموالنا وهم أبناؤنا.

وهذا الاستثمار يحتاج أيضاً لإستراتيجيات تتطور مع نموهم وتطور زمانهم لتواكب عقولهم ونفسياتهم، حتى لا نكون كمن يخطب في قومه بلغة من غير لغتهم؛ فلا يدركونها ولا يستطيعون الاستجابة لها ولا لمحدثها.

ويبدأ الاستثمار بتعديل بعض الإستراتيجيات القديمة، لتكون بلمسة عصرية، فتُعطي على المدى البعيد أهدافها ونتائجها، وذلك بحساب المخاطر قبل الشروع بتنفيذها.

فالمستثمر التربوي الذكي يُدرك أن الزيادة في التعليمات والأوامر، تُقلص من العائد التربوي، ولا تُحقق القدر الكافي من النتائج المرجوة، رغم الجهد المبذول عليها؛ لذا فصياغتها بشكل تنافسي يُعظم العائد، ويوصل للأهداف بوقت قصير وجهد يسير.

فبدلاً من إضاعة الوقت والجهد في تكرار طلب ترتيب الغرفة من الأطفال مثلاً، أو القاء محاضرة مكررة عليهم . يمكن بكلمات يسيرة تحفيزهم للهدف. قائلين لننظر خلال دقائق من سيسبق الآخر في ترتيب أغراضه وألعابه، و.. ويحرز المركز الأول.

كذلك يمكن استخدام استراتيجية مشابهة تعتمد على إبراز الإيجابيات لهم لتطغى على السلبيات؛ فبدلاً من تعداد سلبيات الأبناء، وإمطارهم بتعليمات كثيرة لا يدركون جلها حول خطأ وصواب سلوكياتهم، وافعل ولا تفعل، فإن اقتناص الإيجابيات في سلوكياتهم وتعظيمها حال حدوثها لتكون سمتهم البارزة، أجدر في محو سلبياتهم من نقدها، وإعطاء الأوامر حولها، فنقول: ما أجملك يا ولدي وأنت نظيف، وما أروع اهتمامك بنفسك وبنظافة غرفتك ولو أنك زدت على ذلك كذا وكذا لكنت أروع وأكثر تميزاً لكنك رائع في نظافتك، هذا إن كان مقلاً في سلوك النظافة مثلاُ .أما إن كانت العدوانية منهجه، فإننا نقتنص لحظات هدوئه، ونبرزها مدحاً وتشجيعاً فالترغيب أولى من الترهيب وأكثر نفعاً وأدوم في تعديل السلوك.

وبالمثل أيضاً قد يتبع الوالدان بعض الإستراتيجيات لكن بشكل خاطئ، كطلب مالا يريدان من الطفل فعله. فيقولان: اترك لا تفعل، لا تقل، فيضيعان جهدهما في تعديل أخطاء الابن بأخطاء من جانبهما، والخطأ لا يعالج بخطأ. والصواب أن نطلب من أبنائنا ما نريد أن يفعلوه وبأسلوب ترغيبي فيه الحب. كقولنا ما رأيك لو تفعل كذا أليس ذلك أفضل؟ وعندها ننتظر استجابتهم خاصة بعد تكرار ذلك وبرمجتهم عليه وإثابتهم عند الاستجابة.

والمشكلة قد تكون أكبر من مجرد الطلب بطريقة خاطئة، فنتجاوزها لنطلب منهم ما لا نفعله نحن، فكثيراً ما تردد الأمهات بكل غضب وعصبية وهي رافعة صوتها ويدها لا ترفع صوتك فصوتك يزعجني! وبعدها تتعجب من تكرار رفع الطفل لصوته، ونسيت ما أحدثته من قدوة له، وما اتبعته بتعليل ليس من صلب اهتمامه وإدراكه. والأجدر أن تطلب منه الهدوء بهدوء، وأن تعلل بما يحبه هو ويهتم به. لتكون بشكل أفضل لتصبح رائعاً كما كان رسول الله، وتنال الأجر؛ لأن الغضب يفسد تفكيرك وتهذيبك فلا تبدو بجمالك المعهود.

إن أي استثمار لابد من دراسته والوقوف على جميع بنوده فهماً واستيعاباً ليكون مجدياً.

وأي جانب خفي لا يتم فهمه واستغلاله لا نتوقع أن يساهم في رفع أسهم الاستثمار.

وكذلك الطفل لا نستطيع معاقبته قبل تفهيمه من قبل الخطأ والصواب، ولا نتوقع منه السلوك دون تعليمنا له فمن غير المعقول توقع الأرباح من جوانب لم نفهمها أو نعطها اهتمامنا.

وكثيراً ما يُحدث الوالدان نفسهما بمقارنة أحوالهما بأحوال أطفالهما وسلوكياتهما بهم، وقد يصرحان بذلك. عندما كنت في سنك لم أكن أتصرف مثلك. كنت كذا ولم أحتج لكذا، ولم أفعل كذا وأطلب كذا. لكن هل فكر أحد الوالدين أن والديهما عندما كانا في مثل سنهما لم يفعلا ما يفعله هو الآن وسابقاً.

ولم يركب آباؤهم من قبل سيارة مثله. فتغير الزمان يقتضي تغير الأحوال والإنسان، وصدق القائل: "لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".

 
79
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر