الأثنين  
1440/12/18
هـ  
 الموافق:    2019/08/19م    
 
مختارات علمية
   
تراجم وأعلام
   
نشأة المذاهب الأربعة
نشأة المذاهب الأربعة

نشأة المذاهب:

لم يكن أحدٌ من التابعين ومَن بعدهم إلى القرن الرابع مُتَّبِعًا مذهبًا معينًا، بل كان فيهم العلماء والعامة، وكان مِن خير العامة أنهم يُقلِّدُون صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه في المسائل الإجْماعية التي يستوي فيها العلماء وغيرهم، وكانوا يَتَلَقَّوْنها عن آبائهم ومعلمي بلدانهم، فإذا وقعت لهم واقعةٌ استَفْتَوْا أيَّ مُفْتٍ وجدوه مِن غير تعيين مذهب.

وقد تصدَّى للإفتاء مِن بعد الصحابة أئمةٌ مجتهدون درسوا الكتاب والسنة وأقوال الصحابة دراسةً وافية؛ منهم: الحسن البصري والثوري والأوزاعي والليث، وأصحاب المذاهب الأربعة، ولم يكن واحدٌ من هؤلاء يأمُر أحدًا بتقليده، بل كانوا ينهون عن ذلك وَرَعًا واحتياطًا، ثم كَثُرَ الناس وقلَّ الاجتهاد، ولبُعدِهم عن عهد الوحي احتاجوا إلى مذاهبَ معينة يتَّبعونها، ومن أجل هذا أجمعت الأمة إلا قليلًا على تقليدِ واحدٍ من أصحاب المذاهب الأربعة "أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل"، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، وهذا هو السر في انتشار هذه المذهب في أرجاء المعمورة وبقائها إلى اليوم، ولنتكلم عن كلٍّ منها كلمة موجزة.

مذهب الإمام أبي حنيفة:

وُلِد الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بالكوفة سنة ثمانين في عهد عبدالملك بن مروان، وبالكوفة تَفَقَّه وأسَّس مذهبه، وتوفِّي ببغداد سنة خمسين ومائة، كان في أول أمره بزَّازًا "يتَّجِر في الثياب"، ثم اشتغَل بعلم الكلام، ثم تفرَّغ للاشتغال بالفقه والاستنباط، تلقَّى عن حماد بن أبي سليمان، وتلقَّى حماد عن إبراهيم النخعي الذي تلقَّى عن علقمة بن قيس تلميذ عبدالله بن مسعود رضي الله عنهم.

كان رحمه الله ذكيَّ الفؤاد وَقَّادَ القريحة، حاضرَ البديهة، غايةً في التقوى ومكارم الأخلاق، فلم يكن عجيبًا إذا استبحرَ في علم التوحيد والفقه والقياس، حتى شَهِدَ بعُلوِّ مقامه مالكٌ وكثيرٌ مِن علماء عصره، وقد صَحِبَ أبا حنيفة فريقٌ من العلماء تلقَّوْا مذهبه ودَوَّنُوه، وعُرِفُوا بأصحاب أبي حنيفة، ومِمَّن اشتَهر منهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقد شاع مذهب أبي حنيفة في كثير من بلدان الإسلام؛ كبغداد وبلاد فارس والهند، وبخارى واليمن والشام ومصر.

مذهب الإمام مالك 93 - 179:

الإمام مالك هو أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، وأجلُّ علمائها، وُلِد سنة ثلاث وتسعين، وتوفِّي سنة تسع وسبعين ومائة، ونشأ بالمدينة، وفيها تلقَّى العلم عن ربيعة الرأي، ورحل إلى خيار التابعين من الفقهاء وأخذ عنهم، ولم يزَل يَدْأَبُ في تحصيل العلم وجمع الحديث، حتى صار سيد فقهاء الحجاز، وطار ذكرُه في البلاد، ولَمَّا حج المنصور اجتمع به، وأشار عليه أن يُدَوِّن ما ثبت عنه من مسائل العلم، فألَّف كتابه الموطأ في الحديث والفقه، وقد سمِع عنه المهدي وابنه الرشيد، ولقد أُعجِب به الرشيد كثيرًا، حتى حاول أن يُعلِّقه في الكعبة، ويَحمِل الناس على ما فيه، لولا أن راجَعه الإمام وقال له: لا تفعَل؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم اختلفوا في الفروع وتفرَّقوا في البلدان، وكلٌّ مُصيب، فقال: رفعَك الله يا أبا عبدالله.

رَوَى عن موطأ مالك كثيرٌ من العلماء؛ منهم: الشافعي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ومِن أَجَلِّ أصحابِه الذين تفقَّهوا عليه ورَوَوْا عنه الموطأ عبدُالله بن وهب، وعبدالرحمن بن القاسم، وقد صحِباه نحوًا مِنْ عشرين سنة، ودَوَّنا مذهبَه مع غيرهما من أصحابه، ونقلوه إلى أمصار الإسلام، حتى انتشَر في مصر وإفريقية والأندلس والمغرب الأقصى وغيرها، ولم يزَل مذهبه غالبًا على أهل مصر، حتى قدِم إليها الشافعي ونشر مذهبه بها، فشاركه في الشهرة والذيوع، وقد بنى الإمام مالك مذهبه على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعَمَلِ أهل المدينة، وهذا الأخير أساس متين اختصَّ به مالك رحمه الله؛ لأنه رأى أن أهل المدينة أعرفُ الناس برسوله صلى الله عليه وسلم وسُنته، وكان مالك رحمه الله ثقةً أمينًا ثيبًا وَرِعًا فقهيًا، حُجةً مِن حُجَجِ الله في أرضه؛ قال ابن مهدي: ما رأيتُ أحدًا أَتَمَّ عقلًا، ولا أشدَّ تقوى من مالك، وقال الشافعي: إذا جاء الحديث عن مالك، فشُدَّ به يديك، ومن تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ لم يكن يُحَدِّث إلا وهو متوضِّئ، يتمكَّن من جلسة، يَعلوه الوقار والهيبة، وكان لا يركَب في المدينة مع ضَعفه وكِبَرِ سِنِّه إجلالًا لبلد فيها جثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مذهب الإمام الشافعي150 - 204:

هو أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي القرشي، وُلِد بغزة بفلسطين في السنة التي تُوفِّي فيها أبو حنيفة، وتُوفي بمصر سنة أربع ومائتين، نشأ بمكة يتيمًا، وبها حفِظ القرآن وتعلَّم اللغة والشعر وفنون الأدب، وعلوم القرآن والحديث والفقه، كان موضع الإعجاب لفرط ذكائه وشدة فَهْمه.

ولَمَّا ناهَز العشرين رحل إلى الإمام مالك، وتلقَّى عنه فقهَه، ثم إلى العراق فتلقى عن أصحاب أبي حنيفة، ثم إلى مصر واستقرَّ بها، ونشر فيها مذهبه ودَوَّن كُتبَه، وأخذ عنه كثيرٌ من العلماء، ونشروا مذهبه في كثيرٍ من بلاد الشرق، وهذا الآن غالب على أهل الصعيد في مصر، وعلى فلسطين وبلاد الكرد، وجانب عظيم من بلاد الحجاز.

مذهب الإمام أحمد بن حنبل 164 - 241 هـ:

وُلِد أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ببغداد سنة أربع وستين ومائة، وتُوفي سنة إحدى أربعين ومائتين، لازم الإمام الشافعي مدة إقامته ببغداد، وقد قال: خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ فيها أتقى ولا أزهد ولا أوْرَعَ ولا أعلمَ مِن أحمد بن حنبل.

روَى عن خَلْقٍ كثيرٍ؛ منهم: جماعة من شيوخه، ومنهم البخاري ومسلم، وقد صَنَّف كثيرًا من الكتب، قيل: إنها بلَغت اثنى عشر حِملًا، وله كتاب المسند أعظم كُتب الحديث وأوفاها.

كان رحِمه الله عظيمَ الوَرَعِ والاحتياط ... وأكثرُ أتباعه بالشام والعراق والحجاز، وهم أكثرُ الناس روايةً للحديث وحفظًا للسُّنة.

 
464
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر