الجمعة  
1440/11/17
هـ  
 الموافق:    2019/07/19م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
الفقيه واللغة
الفقيه واللغة

من يقرأ كتابي الرسالة والأم للإمام الحجة محمد بن إدريس الشافعي يلحظ أن الشافعي- رضي الله عنه- قد كتبهما بلغة أدبية فقهية عالية قد لا توجد في المصنفات الأصولية والفقهية التي جاءت في المراحل المتأخرة، والتي اتجهت الصياغة الفقهية فيها إلى طبيعة التجريد القانوني الجاف.

ووظيفة الفقه وإن كانت بالدرجة الأولى تتمثل في بيان أحكام الوقائع، إلا أن جمال الصياغة يورث بهاء الحكم، فضلاً عن اعتماد الاجتهاد على العلم بدلالات الألفاظ، التي ترجع إلى فهم العربية، والتبحر فيها.

لذلك كان الفقهاء المبرزون أئمةً في اللغة، بل إن مؤلفات الشافعي لم تكن لتصل إلى ذلك المستوى الأسلوبي البديع لولا تبحره في علم العربية، وقدرته البيانية العالية.

يقول مصعب بن عبدالله الزبيري: "كان الشافعي رحمه الله في ابتداء أمره يطلب الشعر، وأيام العرب، والأدب، ثم أخذ في الفقه".

إن القدرة اللغوية لهذا الإمام جعلته بارعاً في نحت العبارات الفقهية وابتكارها، حتى ترشّحت هذه العبارات لتكون قواعد فقهية ومنهجية كلية ينتزعها الأئمة من مضامين وثنايا تعليلاته وعرضه في مؤلفاته.

يقول إمام الحرمين في البرهان عند تقريره لحجية الإجماع السكوتي: "فالمختار إذن مذهب الشافعي؛ فإن من عباراته الرشيقة: لا ينسب إلى ساكتٍ قول".

ويقول في موطنٍ آخر: "ومن العبارات الرشيقة للشافعي: أن المذاهب لا تموت بموت أصحابها".

ويصف الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان أسلوب الإمام الشافعي بأنه أسلوب فيه إعجاز!!

بل يذكر الدكتور عبد الوهاب عند تحليله لمنهجية الشافعي أن استنباط الأحكام عند هذا الإمام تبدأ بتحديد المقصود من النص لغوياً مجرداً من أي تدخلٍ لعنصرٍ آخر, ثم يستشهد له بما يؤيده من آثار وأخبار.

ولعل من المؤلفات التي امتازت بتفوق الصياغة الفقهية كتاب إمام الحرمين: نهاية المطلب في دراية المذهب؛ فقد صاغه الجويني بأسلوب ذي نمط فقهي بلاغي فريد, رغم أنه كتاب أحكام, وما ذاك إلا لتفوق هذا الإمام وامتيازه اللغوي.

يقول تاج الدين السبكي: "وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة كُنْه الفصاحة غيض من فيض ما كان على لسانه، وغرفة من أمواج ما كان يُعهد من بيانه".

إن القالب اللغوي للحكم له تأثير مهم جداً، والمؤلفات الفقهية وإن كانت تحكي طبيعة كل عصرٍ، وتتغير بتغيره، إلا أنه يجب أن يُحفظ للمتن الفقهي بهاؤه وحسن صياغته، وأن ترتقي الكتابة فيه إلى أبلغ الأساليب، وأحسنها.

وجدير بالكليات الشرعية أن تدرس علم الصياغة الأصولية والفقهية كما يدرس علم الصياغة التشريعية في الكليات القانونية؛ فالصياغة علم مستقل بذاته, له أدواته وشروطه، التي يجب أن يتمهّر الباحثون, وأن يتدربوا عليها؛ لتستعيد الكتابة الفقهية طراوتها وبهاءها، ويبقى النص الفقهي نصاً حياً تسري فيه تلك الروح التي تسري في مؤلفات الأئمة الكبار كالشافعي- رضي الله عنه-.

يقول الجاحظ: "نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفاً من المطلبي، كأن فاه نظم درّاً إلى درّ".

 
521
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر