السبت  
1441/01/22
هـ  
 الموافق:    2019/09/21م    
 
مقالات
   
محذورات شرعية
   
قاتلو المواهب
قاتلو المواهب

الموهبة منحة إلهية يَهَبُها الله لمن يشاء من عِباده، وهي مِن قَدَرِ الله؛ فعن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس أنَّه قال: "أدركت ناسًا من أصحابِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقولون: كلُّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبدالله بن عمر يقول: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز))"؛ (رواه مسلم)، والكيس: الفطنة والذكاء.

فالفطنة والذكاء والموهبة من قدر الله، ولقد وزَّع الله على عباده هذه المواهب بحكمة بالغة، تتطلب من العبد أنْ يستخدِمَها فيما أراد الله، يستخدمها في خدمة الإسلام والإنسانية والحضارة.

والأنبياء والمرسلون استخدموا المواهب التي منحها الله لهم كما ينبغي، فداود وسليمان - عليهما السلام - أعطاهما الله الملكَ والعلم والحِكْمة، فشَكَرَا الله على هذه المنح الربانية بوضعها في مكانها الصحيح: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْس وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ [النمل: 15 - 17].

وهذا خطيب الأنبياء شعيب - عليه السَّلام - استخدم مَوهبة التخاطُب والإقناع في مُحاورته للعَلمانية الموجودة في وقته، التي حاولت فصلَ الدين عن الدولة، وقد ظهر ذلك في قولهم - كما حكى القرآن -: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87].

وكذلك الصحابة استخدموا مواهِبَهم في خدمة الإسلام والدعوة إلى الله، فهذا زيدُ بن ثابت - رضي الله عنه - يُتقن العبرانية في خمسةَ عَشَرَ يومًا، وكذلك السريانية؛ ليُصبِحَ مترجمَ الإسلام في عصره.

وعبدالرحمن بن عوف يستخدم موهبةَ فنِّ التعامُل الاقتصادي، حتى أصبح من أغنى أغنياء الصحابة، وهكذا ينبغي على كلِّ صاحب موهبة أنْ يُوظفها توظيفًا سليمًا؛ كي ينفع المسلمين وغير المسلمين.

وللأسف نجد أناسًا يستخدمون تلك المواهبَ في المكر والخداع والوصوليَّة، بل في قتل المواهب والقدرات التي منحها الله لعباده، فإذا وجدوا إنسانًا ناجحًا متميزًا في علمه وعمله، أقْصَوْه وأبعدوه؛ حتى لا يُظهرَ عَوَرهم.

فكم من موهبةٍ قتلت بسبب الحاسدين الحاقدين، الذين لا يقدمون الخيرَ، ولا يتركون الخير يسلك طريقه إلى الناس! كم من إنسانٍ تعب في حياته، وقدَّم كل ما عنده؛ كي يصلَ إلى ما يريد، ثم يُصْدَم بعد ذلك عندما يشاهد مَن أقل منه يُقَدَّم؛ من أجل المحسوبيَّة، أو من أجل الدراهم المعدودات! وكم من إنسان سهر الليالي الطِّوال في اختراع آلة، ثم كان مصيرها أنْ تقبرَ مع أخواتها، فلا ترى النور إلى يومِ القيامة! وكل هذه الأمور تدفن كثيرًا من المواهب أو أن يلجأ صاحبُها إلى تصديرها إلى بلد يُقدِّرون هذه المواهب.

ومن صور قتل المواهب:

أنَّها تُقْتَل بسبب (الروتين) الْمُمل المستخدم في المحافل التعليميَّة، وفي المناهج، وفي حياتنا كلها، وفي... وفي...

إنَّ الذين يقتلون المواهبَ آثمون شرعًا؛ لأنَّهم ظالمون، والظلم ظلمات يومَ القيامة، ظالمون؛ لأنَّ جريمتهم النكراء لم تقفْ عند حَدِّ ضرر الأفراد، بل وصل الضرَرُ إلى العالم كله؛ لأنَّهم يحرمون الناس من تلك المواهب التي تقدم النفع لهم.

يا أيها القاتلون للمواهب:

قاتلكم الله أنَّى تؤفكون، ووالله سوف تُسْأَلون أمامَ الله عن دفن هذه المواهب التي وهبها الله لعباده، فقد حَرَمْتُم أصحابَها من الانطلاق، وحرمتم المجتمع من الانتفاع بها.

 
666
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر