السبت  
1441/01/22
هـ  
 الموافق:    2019/09/21م    
 
مقالات
   
محذورات شرعية
   
الجوهرة المهملة
الجوهرة الجميلة

كم من الأغنياء في هذا العالم ممن يملكون خزائن الأموال الكثيرة والجواهر القيمة وهم يعيشون بحقيقتهم وبمظهرهم عيشة فقر وإملاق، لا بل عيشة تعاسة وشقاء، فلا هم ينتفعون بأموالهم ولا هي تغني عنهم شيئاً ولا يكونون في حياتهم إلا حراساً لها حفظة عليها، لا يمسونها بخير ولا بشر مهما عقتهم الحاجة ومسَّهُم الضر، فهم إذاً أغنياء اسماً فقراء حقيقة ليس لهم من أموالهم إلا اسمها فقط.

يعرفون بالثروة بين الناس وإن كانت حالهم ليست كحال الموسرين ولا عيشهم كعيشهم، وكم إلى جانب هؤلاء من أناس فقراء أو هم فوق منـزلة الفقر بقليل يظهرون بمظهر الثروة، ويوهمون ذلك ويخدعون حتى الأغنياء بمظهرهم الخلاب.

ولكلا الحالتين أمثلة تكاد لا تحصى وما منا إلا وقد شاهد منها.

إذا صح التشبيه وقسنا المعنويات على الماديات فلا نرى للمسلمين والإسلام ولغير الإسلام ولأهل الأديان الأخرى من مثال ينطق عليهم بالحق مثل هذا, فالمسلمون مع ما هم عليه من غنى بدينهم الرفيع في أحكامه وآدابه وعقائده تراهم كذاك الفقير البخيل الذي ليس له من أمواله إلا الاسم أو بالأحرى (الإثم).

فكما أن البخيل يعرف بين الناس بالغنى؛ لأنه يملك مبلغاً من المال فكذلك المسلم يعرف بالإسلام؛ لأنه ينتسب إليه اسماً ويدعيه وإن كان حقاً بعيداً عنه لا يمت إليه بصلة في أفعاله ولا ينتفع بأحكامه، وقد أهمله وأفسده بما تراكم عليه من غبار اعتقاداته الفاسدة وأقذار أفعاله الدنيئة؛ فشوه بسلوكه صورته الجميلة ومسخ شكله البديع واشتبهت حقيقته ليس على غيره فقط بل وعليه أيضاً فصار ينخدع بما يعرض عليه من زجاج مموه وخزف صقيل ولا يبالي بأن يدفع جوهره لقاء شيء من هذا، وهو يظن أنه يحسن بذلك صنعاً وما هو إلا من الخاسرين فالإسلام جوهرة وعلة لا يعرف قدره إلا من يقارنه بغيره.

سألني أحد القسيسين في جنيف عن رأيي في مستقبل الإسلام فأجبته أنني اعتقد أن للإسلام مستقبلاً ويجب أن يعتقد هذا كل عاقل، فقال لي وما معنى هذا؟ قلت: معناه أن الإسلام هو الدين الوحيد في المستقبل, متى ارتقى العقل البشري.

وإني لأقول جازماً إن كل الناس سيقبلون الإسلام عملاً أو اسماً بل أرى أن منهم من سيقبله قبولاً تاماً شرعياً ويكون مسلماً ومنهم من يقبل أحكامه فقط ويختار لنفسه اسماً آخر. وآية ذلك في عصرنا الحاضر الألمان فقد خرجوا رسمياً عن الدين المسيحي وأعلنوا بلسان وزير الدعاية أن هتلر أفضل من المسيح عليه السلام - كبرت كلمة تخرج من أفواههم - لأمرين الأول أن المسيح من العرق السامي اليهودي الذي يكرهه الألمان - والثاني أن من أقواله ما لا يقبله العقل أو ما لا يمكن تطبيقه بعصرنا, فمن التعاليم المنسوبة للمسيح: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر).

بينما هتلر من العرق الآري وهو الذي أنجى سبعين مليون نسمة من ذل الاستعباد وهو الطامح إلى العظمة.

فما كان من محدثي إلا أن قال لي: لا أظن ذلك وسكت فقلت له: أنا أؤمن بهذه لأني رأيته بعيني رأسي فأرى في كل يوم ازدياد المسلمين في كل أقطار الأرض رغم فقدان الوسائل لجلبهم, ونقصان النصارى رغم كثرة الدعاية والأموال وهذا الأمر على حد سواء في الأوربيين والشرقيين وفي المتعلمين والجاهلين.

وإني أعتقد أن هذه الدورة التي دارت على المسلمين أو هذه الفترة المحزنة التي هم فيها إن هي إلا نتيجة إهمالهم وعدم تقديرهم هذه الجوهرة الثمينة حق قدرها وعدم إزالة ما علق عليها من الأدران وعدم عرضها على الناس بحقيقتها الجذابة ليدركوا هم أنفسهم مبلغ قيمتها وما في أيديهم من ثروة لا تعوض بقليل ولا بكثير إذا ما فقدوها.

ولكنني الآن لكثير البشر بمستقبل الإسلام لما أراه من الحركات الإسلامية في العالم من اليابان حتى أمريكة كأنما العالم يجمع الأهبة لاعتناق الإسلام ديناً.

فعلينا أن نحسن سيرتنا ونقوِّم اعوجاجنا بما ينبغي علينا نحو ديننا فنساعد على إفهام العالم حقائق الإسلام ونقرب مستقبلاً باسماً لهذا الدين الخالد فنكون بذلك مسلمين حقاً. وإلا إذا ما بقينا على حالتنا هذه فليس ما ندعيه بالإسلام ولسنا بالمسلمين حقاً.

وما أحسن قول القائل:
إذا القرشي لم يشبه قريشاً         بفعلهمُ الذي بزّ الفعالا
فتيس من تيوس بني تميم         بذي العبلات أحسن منه حالا

 
556
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر