السبت  
1440/08/15
هـ  
 الموافق:    2019/04/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
التأصيل العلمي وأهميته
التأصيل العلمي وأهميته

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:

فإن أَولى ما يُنفِق فيه الطالب أوقاته، وأحرى ما يسكب فيه أنفاسه، وخير ما يحرص عليه، ويسعى بكليته إليه، التأصيلُ العلمي.

إن التأصيل العلمي مِن أعظم الطرق الموصلة إلى بناء عِلْمي مُحكَم ورصين، وهادفٍ ومتين، كما أنه المأدُبة التامة، والتي من خلالها يستطيع المتعلِّم قضاء نهمته، وبلوغ مُنْيته، بأيسرِ الطُّرق وأسهلها، وأقربها وأحسنها.

إن المتأمِّل في عالمنا المعاصر ليرى - دون عناء - ما يَعِجُّ به الوسطُ العلمي لطلابه من التحير والخلط، والتشتت والخبط، ولا سيما مع التدفق المشاهد للثقافات، والتعدد لمنابع التلقي؛ فتباينت الاتجاهات، واختلفت الأفكارُ والتصورات، وتعددت الرُّؤَى.

أهمية التأصيل العِلمي:

إن أهمية التأصيل تتأتى وتظهر عند رؤية هذا الاختلاف الكبير والكثير، حتى إنك لترى أن المعاييرَ التي بُنِيت عليها هذه الاختلافاتُ مختلَفٌ فيها، ولكن لا بد أن تعرف أنه مع ذلك بدونه تكونُ الجهود في هذا الجانب شذراتٍ متفرقة، تضيع في ظل الانفتاح المعرفي المتباين.

إن أهمية التأصيل - كذلك - تظهر عند ترسيخ هذه القناعة لدى طلاب العلم، وأنه عند انطلاقه منها لطلب البحث والمعرفة، يتسنى له الوصولُ إلى النتائج الصحيحة، والنظريات السليمة، ذات المعايير المجردة والخالصة من الشوائب التي قد تؤثِّر في نزاهتها وحيادها.

إن أهمية التأصيل تظهر إذا علمت أن من القناعات المشتركة بين العلماء أن التأصيلَ العلميَّ هو العنصرُ الجوهري لنهضة الأمة، وأنه نقطة الانطلاق الأساسية التي يبدأ منها كلُّ تصور للخروج من الأزمة.

إن أهمية التأصيل تظهر أيضًا عند معرفة أنه يختصر لصاحبه الوقت، ويوفِّر عليه الجهد.

من هنا استقطب موضوعُ التأصيل العلمي الكثيرَ من العلماء؛ لأنه يمنحهم القدرةَ على البقاء والثبات في وجه التحديات المعاصرة.

لذا؛ كان لزامًا على طالب العلم أن يرْنُوَ للأمثل، وأن يهفوَ للأكمل، وأن يسعى إلى التأصيل العلمي، وأن يكونَ هدفًا من أهدافه، يسعى إلى تحقيقه، ويصبو إلى تنفيذه، وأن يصرفَ عزمه إلى أن يكونَ التأصيلُ مُنطَلقَه؛ لينطلق من أسس راسخة، ومفاهيمَ رفيعة.

إن قضية التأصيل قضيةٌ عظيمة ودقيقة، وهي مع هذا تتطلب من طالب العلم مَلَكاتٍ وأدوات، ومن المعلوم أن قدراتِ الذين يقومون بهذه العملية تختلف اختلافًا كبيرًا وكثيرًا، لكنها ولا شك مع هذا كله تؤتي أُكلَها - ولا بد - بصورة أفضلَ مما سواها، ويكون الخلاف - إن وُجد - هامشيًّا وليس جذريًّا.

ومن المعلوم أنه لا تتسع هذه السطور - بطبيعة الحال - لحديثٍ مفصَّل عن التأصيل؛ فالموضوع واسع متشعب، يشمل مجالات متفرقة، وتخصصات مختلفة، ويحتاج الحديثُ المفصل في أيٍّ منها إلى متخصص، بله متخصصين، يلمون بدقائقها، ويغوصون في أعماقها، ويُجلُّون خوافيها، ولا سيما مع تعدُّد مجالات النظر، واختلاف زوايا الرصد في كل علم من هذه العلوم.

إنما أردت من هذه العجالة أمرًا أيسر من هذا بكثير، أشعر في الوقت ذاته بأهميته، وهو أهمية توجيه النظر إليه، والتحفيز للاهتمام بشأنه.

 
68
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر