السبت  
1441/01/22
هـ  
 الموافق:    2019/09/21م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
بين العقل والعاطفة
بين العقل والعاطفة

قد يبدوان في ظاهرهما متضادَّين؛ لكن الحقيقة أن كلًّا منهما يكمل الآخر، تُهذِّب حكمةُ العقل طيشَ العاطفة، وتحِدُّ رقةُ العاطفة من صلابة العقل.

لقد اهتم الإسلام بالحياة الإنسانية المتوازنة عقلًا وعاطفةً لينطلق الإنسان في درب الحياة بحماسٍ وتعقُّل، فأمر بتدخُّل العقل في الوقت المناسب حين تطغى العاطفة، فتحيد به عن مساره الصحيح؛

قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]، فلا تحملنَّكم عاطفة البغض على البغي والظلم.

أمر بعقاب الظالم نعم؛ لكن على ألَّا يظلم ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ [النحل: 126]، ثم خاطب الوجدان بضبط انفعاله وبرغبته في الانتقام لنفسه والثأر لكرامته ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].

توازنٌ دقيق منضبط بضوابط الشرع بين العقل والمشاعر، والأفكار والأعمال، والحركات والسكنات، دينٌ لا يصطدم مع العاطفة الرقيقة، ولا يتحدَّى العقل الحكيم.

ولقد عرف الإسلام سمات العاطفة البشرية، وسبر أغوار النفس الإنسانية؛ فنهى عن كل ما يكبتها ويحارب فطرتها السوية ومشاعرها النقية، فنهى عن الرهبانية، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))؛ [متفق عليه].

وشرع الزواج حتى لا تقود العاطفة الشباب نحو الانحراف، وإن منعنا الله عز وجل من بعض الشهوات وقيدها بضوابط الشرع، فلمصلحتنا ولا شك، ليسلس قيادنا، ويلين جماحنا، فنثوب إلى الحق، ونذعن له.

فقد علم أن الأنفس قد أحضرت الشح، فرد عاطفتها تلك إلى حكمة العقل، وأمرها بالإنفاق لحماية الأنفس أولًا من شرور الفقراء والجياع حين يلجؤون إلى الجريمة ليسدوا جوعهم.

ولما كانت المرأة تغلب عليها العاطفة في معظم الأحوال جعل المسؤولية والولاية على الرجل، وأوكل إليها رعاية أبنائها واحتواء زوجها والأمور التي لا تتعارض مع طبيعتها الأنثوية الرقيقة، فالمرأة بعاطفتها تكمل الرجل بحكمته.

نريد أمةً متوازنة، وشبابًا عاقلًا مُتَّزِنًا، لا يغلب لهيب المشاعر على نور العقل، ولا يسير وراء أهوائه، ولا يندفع وراء تقلُّبات مزاجه، فيكون سريع التأثُّر، سهل الاستثارة، متقلب المزاج، سريع الانفعال؛

بل يمتلك عاطفة نعم؛ لكنها تنصاع لنداء العقل، وتحد بحدود الشرع بعيدًا عن الانفعالات غير المحسوبة، والنتائج غير المدروسة.

نريد أن نربِّي أبناءنا بالعقل قبل العاطفة، فلا نترك تعويدهم على العبادات بحجة الشفقة عليهم، ولا نُلبي كل رغباتهم بحجة أنا نحبُّهم؛ فنُنْشئ جيلًا مدلَّلًا، لا يتحمَّل المسؤولية، نعم نقسو عليهم قليلًا لتقر عيوننا بهم كثيرًا:

فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا *** فليقسُ أحيانًا على من يرحم

فلا نُحكِّم العقل حدَّ القسوة، ولا نُحكِّم العاطفة حدَّ السذاجة، بل نوظِّف العاطفة، ونضعها في إطار العقل، وعلى أسس منطقية يعصمها من أن تنقلب إلى ضدها أو تنمحي آثارها.

نعم نحبُّ في الله، ونبغض في الله، ونوالي في الله، ونُعادي في الله وفي الوقت نفسه لا تأخذنا المعصية والحمية، فنضبط عواطفنا ضبطًا قويًّا محكمًا، محتكمًا إلى سلطان العقل، متعظًا بتجارب السابقين، مستفيدًا من خبرات الآخرين.

نُغيِّر الرديء، ونصنع المستقبل المشرق، حينها فقط تساغ الفضائل والأخلاق على نحو رائعٍ منقطع النظير.

 
346
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر