السبت  
1441/02/20
هـ  
 الموافق:    2019/10/19م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
أنتم أعلم بأمور دنياكم
أنتم أعلم بأمور دنياكم

لقد جاء هذا القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي:

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل، فقال: (لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا) - تمرًا رديئًا - فمر بهم، فقال: (ما لنخلكم؟)، قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؛ (مسلم).

أمور الدنيا خاضعة لأحكام الشرع، وقد تكرر كثيرًا في القرآن الكريم الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتحذير من مخالفة أمره، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقوله سبحانه: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، فأمره صلى الله عليه وسلم بشيءٍ، دليلٌ قام على وجوب ذلك الشيء، إلا أن يقوم دليل يصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره.

إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلَمُ بأمور دُنياكم)، قد يندرج تحته أن الإنسان مأمور من الله تعالى بالبحث عن العلوم الدنيوية التي تُكتَسب بالتجارب والخبرة، وتسخير العقل لها؛ كالعلوم الهندسية والرياضية والطبية، وطرق الصناعة والزراعة والتكنولوجية، وغير ذلك، لاستخدامها في تيسير أمور حياته عبادةً لله، وشكرًا على نِعمه، فكل هذه العلوم مِن نعم الله للإنسان، ولكن عليه البحث عنها بنفسه، وهذا طبقًا لأمر الله تعالى في قوله: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 1، 2].

فالمطلوب منا اكتشاف أسرار هذا الكون؛ مِن الذَّرَّة وما دونها، والمجرَّة وما فوقها؛ بالبحث العلمي العقلي، والتوصُّل إلى معرفة قوانين هذا الكون الذي سخَّره الله لنا من أجل عمارته؛ امتثالًا لأمر الله، والاستعانة به في ذلك، وباستخدام منهج الله الذي أنزَله في القرآن الكريم، وأوضحَته السنة النبوية قولًا وعملًا وإقرارًا.

فالإنسان هو الخليفة الذي كلَّفَه الله بقيادة الحياة في الأرض بمنهجه في القرآن والسنة؛ تعبُّدًا له، فهو مكلَّف بقيادة الجماد والنبات والحيوان والطير ونفْسه وغيره من البشر بهذا المنهج.

إن بحث الإنسان في الكون باستخدام العلوم العقلية التجريبية للتوصل إلى ما يخدم حياته، ليس منفصلًا عن عبادته لله، بل إنها جزءٌ من هذه العبادة، فيجب عليه أن يستخدمَ ذلك لتحقيق سعادته في الآخرة؛ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [البقرة: 219، 220] .

ومن هنا كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه: (أنتم أعلَمُ بأمور دُنياكم)، يدور في هذا السياق.

 
367
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر