الجمعة  
1441/01/21
هـ  
 الموافق:    2019/09/20م    
 
مقالات
   
بين العلم والدعوة
   
فن مخاطبة الآخرين في الدعوة
فن مخاطبة الآخرين في الدعوة

جاءت الدعوة الإسلامية في وقت استحكَمَتْ فيه عاداتُ الجاهلية، وكان من الصَّعْب جِدًّا أن يُقلِعُوا في يوم وليلة عن عادات أَلِفُوها، ومعتقدات أُشْرِبَتْ بها نفوسهم وأدْمَنُوها؛ لذا كان لِزامًا أن يتدرَّجَ معهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى يتركوا ما اعتادوه، ويفارقوا ما عاقروه.

خاطبهم بما يتناسب مع بيئتهم، وراعى اهتماماتهم، وما تستوعبه عقولهم، وراعى اختلاف طبائعهم ونفسيَّاتهم وكل أحوالهم.

هيَّأهم نفسيًّا، وتدرَّج معهم من الكليَّات إلى الجزئيات؛ فارتفع عنهم الباطل رويدًا رويدًا، ليحل محله سلوك النقاء والطُّهْر الجديد.

حبَّبَ إليهم الإيمان، وزيَّنَه في قلوبهم وبغَّضَ إليهم الكُفْر والفسوق، فلا تتشبَّث النفوس بقبائح الموروث.

خاطبهم بلغة سهلة مُيسَّرة تأنَسُ لها نفوسُهم وتقبلُها عقولهم، لم يخاطبهم بالصَّعْب الذي لا يُدْركونه، ولا بغريب الكلام الذي لا يفهمونه.

ولما كانت معاملة الناس كلها معاملةً واحدةً لا يصح ولا يستقيم؛ فقد راعى صلى الله عليه وسلم الفروق الفردية بين الناس.

فأوكَلَ إلى أصحابه مهمَّاتٍ وأعمالًا، كُلٌّ بحسب طبيعته وما يُجيده، ويُحْسِن التعامُل معه ويُطيقه، ثم وزَّع أموال الغنائم على أناسٍ، وخَصَّهم بالعطايا دون غيرهم تألُّفًا لقلوبهم وتثبيتًا لهم على الإسلام، ووكَّل آخرين إلى قوَّة إيمانهم، وأنزلَ الناس منازلَهم، وعرَفَ لأهل الفَضْل فَضْلَهم ومكانتَهم.

ولما كان الإنسان ينسى؛ لكثرة أشغاله، تجد الأحكام تتكرَّر في الآيات والأحاديث للتوكيد والتذكير، فكان صلى الله عليه وسلم يُكرِّر القول ليفهم عنه، ولا يثقل عليهم بكثرة المواعظ خشية السآمة.

وحين يعتريهم ما يعتري البشر من جوانب الضَّعْف، وتنجذب نفوسُهم نحو الشهوات يشفق على المخطئ، يُعلِّمُه بِرَفْقٍ، ولا يسخر منه، أو يُشنِّع عليه، يثيب المجتهد حتى لو أخطأ.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف نفسيَّات المدعوين، فيخاطب كُلًّا حسب طبيعته؛ يُلمِّح لمن يحتاج التلميح، ويُصرِّح لمن يحتاج التصريح، كلُّ ذلك بأسلوبٍ مُحَبَّبٍ إلى النَّفْس مُرَغِّبٍ في الخير.

وضرب الأمثال من البيئة المحيطة القريبة بأمور مشاهدة محسوسة فيسرع فهمها، ويسهل تطبيقها.

قدَّر أن هناك مؤثراتٍ عقليةً تمنع العقل من الاستيعاب، وتُشوِّش عليه الفهم؛ كالعصبية، والعناد، والكبر والجدال؛ فعالج هذه الأسباب أولًا، وتَفَهَّم دواعيها، وأشفق على أصحابها.

عرَفَ أن الله عز وجل قد قسم العقول كما قسم الأرزاق؛ فقال: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ؛ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي))؛ [متفق عليه]، وقال: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَحَفِظَهَا، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ))؛ [الطبراني في الأوسط، وأحمد في المسند].

فالناس متباينون في أفهامهم بين كاملٍ وناقصٍ وعميقٍ وسطحي، وجليٍّ وخفيٍّ، وحيث إن الدعوة الإسلامية ممتدَّة عبر العصور، ولم تنقطع بموت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لذا وجب علينا أن نحذو حذوَه، فنُراعي اختلاف العصور والبيئات والطبائع والثقافات وكل أنماط الحياة.

فدعوة الإسلام هي إصلاحٌ للنفس، وتقويمٌ للعقل فيبقى مُتَّزِنًا لا يحيف عن صالح الآراء، ولا يتَّبَع الفاسد من الأهواء.

فالداعي يربِّي الناس بصِغار العلم قبل كباره، ويتعامل مع العقول حسب إمكانيَّاتها لا حسب مقدرته، ولا يُلقِي على غير المتخصِّص المسائلَ العميقةَ، والتفاصيل الدقيقة، ويقدِّر تركَ بعض المصالح؛ لتجنُّب الوقوع في المفاسد والمهالك؛ قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ((لولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عهدُهم بالجاهلية، فأخافُ أن تُنْكِرَ قلوبُهم، أن أدخُلَ الجَدْرَ في البيت، وأن أُلْصِقَ بابَه في الأرض))؛ [متفق عليه].

والكلمة الحانية الرقيقة وسيلةٌ للتغيير والتقويم، لا تضل طريقها، ولا يخيب مَسْعاها حين تخرج من ناصحٍ مشفقٍ أمين، تفعل ما لم تفعله السيوفُ مجتمعةً، فاعمل بهذا إن كنت تريد إصلاحًا.

 
151
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر