الأثنين  
1441/06/02
هـ  
 الموافق:    2020/01/27م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
كلمات في سوء الخاتمة
كلمات في سوء الخاتمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. إخواني الأفاضل: استوقفني حديث صحيح في البخاري وفي مسلم ولي معه عدة وقفات..

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم ).صحيح البخاري ومسلم واللفظ للبخاري

قال ابن بطال في فتح الباري: (وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجياً أعجب وكسل، وإن كان هالكاً ازداد عتوا، فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء ).

وانظر بارك الله فيك إلى الصالحين وما كانوا عليه من خوف ورجاء كانوا يخافون من سوء الخاتمة.. اِسمع كلام أحد الصالحين.. يقول أبو الدرداء: ما أحد أمِن على إيمانه ألا يسلُبَه الموت إلا سلَبَه.

وهذا سفيان الثوري رحمه الله جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أمِن كثرة الذنوب ؟ فقال: لا، ولكن أخاف أن أُسلَبَ الإيمان قبل الموت.. خافوا نعم إنهم يخافون أن تحول ذنوبهم بينهم وبين حسن الخاتمة.

قال طبيب القلوب - رحمه الله - ابن القيم: وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه ذنوبه عند الموت، فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى.

قال الحافظ عبد الحق الأشبيلي: ولسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب، وأعظمها الانكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها، والإعراض عن الآخرة والإقدام والجرأة على معاصي الله..

وربما غلب على الإنسان ضرب الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الأعراض، ونصيب من الجاه والإقدام فمَلَك قلبه وسبى عقله، فربما جاءه الموت على ذلك، وسوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم ولله الحمد.. وإنما تكون لمن له فساد في العقيدة، أو إصرار على الكبيرة، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى نزل به الموت قبل التوبة.

وقد يظهر على المحتضِر ما يدل على سوء الخاتمة، مثل النكول عن النطق بالشهادتين، ورفض ذلك والتحدث بالسيئات والمحرمات وإظهار التعلق بها ونحو ذلك من أقوال وأفعال تدل على الإعراض عن دين الله والتبرم لنزول قضائه.

وهذه بعض الأسباب التي تكون سبباً في سوء الخاتمة كما ذكرها أهل العلم:

أولا: التسويف بالتوبة، والاستمرار بالمعاصي، والتهاون في فعل الواجبات، ويُضمِر بعضهم أنه سيتوب ولكن متى..؟

وتجد الشاب الأعزب يقول: حين أتزوج.. والطالب: حين أتخرج من الدراسة.. والفقير: حين أتوظف.. ويقول الصغير: حين أكبر، وهكذا من الأعذار لتحديد موعد التوبة..

ونقول لهم جميعاً: (من يضمن لكم بلوغ هذه الآمال، أما تخشون أن يأتيكم هادم اللذات قبل أن تدركو المنايا ثم لو وُفِّقتم للوصول إليها هل تضمنون أن تُوفَّقوا للتوبة وقد قضيتم الأعمار في الغواية والضلال والشهوات المحرمة التي غالباً ما تكون سبباً لانقلاب القلوب وانتكاسها..

قال تعالى: (يا أيها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وانه إليه تحشرون ).. وقال تعالى: (ونُقلِّب أفئدتهم وأبصارهم )..

ثم بيَّن سبب هذا الانقلاب فقال: (كما لم تؤمنوا به أول مرة ).. أي بسبب رد الحق أول ما جاءهم ثم قال: (ونذرُهُم في طغيانهم يعمهون ).. وقد ذمَّ الله قوماً طالت آمالهم حتى ألهتهم عن العمل للدار الآخرة ففاجئهم الأجل وهم غافلون.. قال تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلهِهِمُ الآمل فسوف يعلمون ).

ثانياً: حب المعصية، فإن الإنسان إذا داوم على المعاصي ولم يسارع إلى التوبة منها ألِفَها قلبُه فاستولت على تفكيره في اللحظات الأخيرة من عمره فيموت عليها، ويبعث عليها.

وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (يُبعث كل عبدٍ على ما مات عليه ).. قال ابن كثير رحمه الله: (والذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الأيمان، فيقع في سوء الخاتمة ).

قال ابن قدامة رحمه الله: (وإذا عَرَفْت معنى سوء الخاتمة فاحذر أسبابها وأعد ما يصلح لها، وإياك والتسويف بالاستعداد فإن العمر قصير، وكل نفس من أنفاسك بمنزلة خاتمتك، لأنه يمكن أن تخطف فيه روحك، والإنسان يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه ).

فعلى العبد أن يلزم نفسه بالطاعة والتقوى، وأن يُلحَّ في دعاء الله أن يختم له بالخاتمة الحسنى، وأن يحسن الظنَّ بربه عز وجل.. عن عبد الله بن عمروا أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يُصرِّفه حيث شاء ).

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك ) والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

أحمد بن حمود العرادي

مشرف منتديات بلي الإسلامية

Ahmed-hamod@hotmail.com

 

 
8386
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر