الأحد  
1441/02/21
هـ  
 الموافق:    2019/10/20م    
 
مقالات
   
خواطر وهمسات
   
أفلا تعقلون .. وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟
أفلا تعقلون.. وفي أنفسكم أفلا تبصرون..؟

لقد وهب الله الإنسان نعماً كثيرة، لا تُعَدُّ ولا تحصى، ومن ذلك نعمة العقل، فبِها يُحاكي الإنسان ما حوله من مخلوقات، ويرتبطُ مباشرة بسِرِّ الحياة، ويعرف ما يضُره وما ينفعه، وما يرفعه وما يهينه إن صح التعبير.

ولذلك كان الناس على طبقات؛ فمنهم من يسمو ويعانق السحاب بفكِرِهِ، ويشِعُّ بإشراقة عقله، ويبدع في الناس بنبوغ فراسته.. وإن أسمى ما يُعمَلُ العقل فيه، وأشرف معمولٍ به، هو أن يتعرف الإنسان إلى بارئه وخالقه، الذي أوجده في هذا الكون الفسيح لحكمة بالغة الشأن، وعظيمة القدر، ألا وهي توحيده بالعبادة.

ثم إنه من البداهة أن من ساقه عقله إلى تحقيق هذا المقصد وَوُفّقَ لتحصيله فحتماً سنقول هو صاحب عقلٍ رزين وفكرٍ صائب وتوجهٍ صحيح، ولا يشك أحد في رجاحة عقله.

نريد أن نعي ـ أيها الأفاضل ـ أهمية إعمال القلب، وعدم التبعية العمياء، لأن الأمر يستدعي أن نتأمل قول المولى عز وجل: ( إذ تبرأ الذين اتُبِعوا من الذين اتَبَِعوا ورؤوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منَّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار).

إذاً لا يمنع الإنسان أن يُحَكّم عقله ويرُدّ كل أمرٍ لا يقبله العقل ولم يكن للنقل فيه مكان ( وأقصد بالنقل: أي من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ).. فلماذا نغلق أفهامنا ونُعِيرُها لغيرنا حتى نعوِّدها البلادة.

أوَ لسْت قادراً على التمييز بين الشِعر والشعير ؟ ألم يكن من حقِّك أن تتكلم ؟ أليس من حقك أن تقبل وترفض ؟ أمَا تعرف أن تُميِّز بين الأبيض والأسود ؟ كل هذا وغيره بالطبع تعرفه دامَ أن لك عقل متَّقد..

أمّا وليس لك عقل أو عقلٌ أخرق، مشوبٌ بالغباء والحمق، عندها لابد أن تعلم علم يقين أن سائر المخلوقات أنفع لنفسها منك، فهي تعرف مكامن الخطر فتجتنبها، وتعرف ما يصلح لها من طعام وشراب فتتناوله، وبعضها قد ترَبَّى تربية عقلية حتى أصبح منقاداً مذللاً للإنسان، وقبل ذلك كله فهو يُسَبِّحُ الله تعالى ليلَ نهار ولكن لا تفقهون تسبيحهم..

إن ثمة أمور بسيطة تحتاج منَّا أن نمعن النظر فيها، نِعَمٌ بسيطة في نظر العقلاء، صعبة الفهم والمنال عند أصحاب العقول المخدَّرة بسبب إعارتها للآخرين، فلنسلط الضوء عليها سوياً..

فمثلاً إذا عُلم بأن الله تعالى هو الخالق، وأن ما دونه مخلوق لا ينفع ولا يضر، فلماذا نسجد لغيره أو نسجد لأحد معه من خلقه ؟ ولماذا ندعوا غيره أو ندعوا معه أحد من المخلوقين ؟

فللعقل الآن أن يتدبَّر ملياَ، ولندع القول بمثل ما قاله الأقدمون: (.. إنَّا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ). ولا بقول: ( وجدنا آبائنا لها عابدين ) بل لابد من إحقاق الحق واتباعه، ومعرفة الجهل والإعراض عنه، ولا نخاف في الله لومة لائم..

إذ إنَّه من الحماقة بمكان أن تجعل لله نداً من خلْقه وهو الذي خلقه وخلقك، أو أن تصرف عبادة من العبادات كالسجود والذبح والدعاء لأحدٍ من البشر وهو بحاجة أن ينفع نفسه لأنه مخلوقٌ ضعيف، وقد يزُجَّه الله في النار إن لم تتداركه رحمة المولى الرحيم.

أيها الأحبة.. يا أصحاب العقول الحية.. تعالوا إلى نجاتكم، هلمُّوا إلى رفعتكم، ولنختبر عقولنا مع بعض أفعال نفرٍ من الناس، ولْنحْكم عليهم ما مدى الفهم والعقل الذي وصلوا إليه، ونحمد الله على نعمة العقل..

خذوا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، فإن واقع البشرية وأفعالهم اليوم قد تجاوزت أفعال مشركي زمن الجاهلية، فما رأيكم بمن يعبد الفئران أو الأبقار والثيران، ومن جعل إلهه ناراً يوقدها بيديه، ومن يتبرك بخروف ويتمسح به بزعم أنه خروف كرامة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن جعل البكاء واللطم والنياحة وإسالة الدماء عبادة يُتقرب بها إلى من ؟ لا ندري.!

فإن كان لله تعالى فلم ينزل الله بذلك من سلطان، ولم يشرعها نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، وجدُّ الحسين ـ رضي الله عنه ـ وإن كان لأجل الحسين لذاته فهذا من الإشراك بالله، وأين ذهبت عقول من ينخدع بما يسمى بدم المسيح وهو شراب خمر يقدم في بعض احتفالات عيد المسيح.!

أيها العقلاء.. لنرجع إلى أنفسنا رجعة صادقة، ولنُعمل عقولنا، ولنسارع لنجاتنا وفوزنا وفلاحنا إذ لا نبتغي بذلك بدلا.. ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ).

وقد أحسن القائل لقد كرَّم الله الملائكة بعقولٍ دون شهوات، وخلق الحيوانات بشهواتٍ دون عقول، وخلق الإنسان بشهوةٍ وعقل، فمن غلبت شهوته عقله؛ أصبح كالبهائم، ومن غلب عقله شهوته أصبح في منزلة الملائكة، رفعة وعلوَّا.

 

 
3533
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر