الأثنين  
1440/12/25
هـ  
 الموافق:    2019/08/26م    
 
مقالات
   
التربية والسلوك
   
توجيه التوجيه
توجيه التوجيه

 

إن الله تبارك وتعالى لحكمةٍ يعلمها ، جعل من جبلة خلقه ؛ الخطأ والزلل ، والنقص والعلل ، فالكمال قد اختص الله تعالى به .. بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما صح عنه : " لو لم تذنبوا لجاء الله بقومٍ يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم " (رواه أحمد وصححه الألباني : صحيح الجامع :5301 ) .


فليس الخلل في الذنب أو الخطأ ، بل هو في التعامل مع هذا الخطأ ، وقد قيل قديما ً:


سامح أخاك إذا خلط       بين الإسـاءة والغلـط
وتـوقٌ عـن تعنيفه      إن زل يومـاً أو غلـط
من الذي ما ساء قط      ومن له الحسـنى فقـط


- ويقول مصطفى السباعي رحمه الله : لو لم تصاحب إلا من لم يكن له عيب ؛ لما صاحبت نفسك .
من أجل هذا كله ؛ كان لزاماً على كل عاقل ؛ ألا يدع خطأً دون أن يكون له موقف تجاه تعديله وتصحيحه ، فيوجه بكل ما تملي عليه مبادئه أياً كانت .. إلى ما يرى أنه هو الصواب والسداد ، والهدى والرشاد ..


ولكن عملية التوجيه هذه لا تخلو أيضا هي الأخرى من أخطاءٍ تصاحبها ، وعيوبٍ تكدرها ، وشوائب تعلوها ، فهذا هو الجهد البشري ولا بد .. فكان مما لابد منه التذكير بإشارات وهمسات تساهم في توجيه عملية التوجيه فهذه بعض الخواطر والإرشادات .. وخير الكلام ما قل ودلٌ‘وشره ما كثر وألهى :


الأولى :


تذكر أنك إنما تريد النصح والتوجيه والإرشاد فلا تغفل هذا الجانب وضعه نصب العيان ، وعليك بمراعاة المشاعر ، وكما قيل : ( امدح على قليل الصواب ، يكثر من الممدوح الصواب ) ؛ فعشرة أخطاء ستصبح بعد مدة ثلاثة أخطاء ، ثم اثنين ، ثم واحد ، ثم لا شيء بإذن الله تعالى .

الثانية :


تثبت ثم تثبت ثم تثبت ، فقبل أن تبادر بالنصح والتوجيه فعليك أن تتأكد من أمرين اثنين :


1. أن هذا الفعل خطأً في أصله ، ولابد من تصحيحه .
2. أن هذا الشخص قد وقع في الخطأ وثبت منه ذلك .
عندها بادر بالإنكار ولكن بالأسلوب الأمثل والطريقة الأجمل .

الثالثة :


عليك بالرفق ، فالحبيب - صلى الله عليه وسلم – يقول : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه " (صححه الألباني ؛ صحيح الجامع : 5645 ) .


وليكن الدافع لك : تعبيد الخلق للخالق - جل جلاله - ، والشفقة عليهم ، والحزن على أوضاعهم وأحوالهم ، واجعل هذا هو هاجس فكرك وتفكيرك ، ثم من نافلة القول أن تقول : لا تكثر اللوم والعتاب ، ولا تنس أن هدفك هو التوجيه والإرشاد ، لا عسف الناس أو أطرهم على الحق أطراً .. وتذكر أن الكلمة القاسية الشديدة في العتاب لها كلمة طيبة جميلة تؤدي المعنى نفسه ..
طالب الحق بعنفٍ معتدٍ اطلب الحق برفقٍ تحمد

الرابعة :


لا تفتش عما خفي من العيوب والأخطاء ، فعندها سينقلب الحال من نصحٍ وإرشاد ، إلى هدم ٍ وإفساد ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ، عن ثوبان - رضي الله عنه – مرفوعاً : " لا تُؤذوا عباد الله ‘ ولا تعيروهم ، ولا تطلبوا عوراتهم ، فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته " ، وقد قيل فيما غبر من منثور الحكم : ( من تتبع خفيات العيوب حرم مودات القلوب ) ، فلتكن أيها الغالي من هذه الخصلة على حذر شديد ، فذاك منزلقٌ خطير ..

الخامسة :


أزحِ الستار عن عين ذلك المخطئ ، واكشف تلك الغشاوة التي لم يعُد يبصر نور الحق من ورائها ، فهو لم يقارف هذا الخطأ أو ذاك المنكر إلا لرانٍ قد غطى على قلبه ، تأمل معي أيها الحبيب موقف المصطفى - عليه الصلاة والسلام - : جاءه رجلٌُ يستأذنه في الزنا ، فكاد الصحابة أن يوقعوا به ، فما كان من الحبيب - صلى الله عليه وسلم - إلا أن امسك بيده وقال له بلسان النصح والشفقة : " أترضاه لأمك ؟ " قال : لا ، قال - عليه الصلاة والسلام - : " فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم " ، ثم قال : "أترضاه لأختك ؟ " قال : لا ، قال : " فإن الناس كذلك لا يرضونه لأخواتهم " الحديث ...
 

فتأمل معي أيها الغالي ؛ في هذه الطريقة الحكيمة المسددة ؛ لكبح جماح الشهوة ، برادع العقل ، وتلك هي حنكة الداعية ، وفقه المعلم ، وأسلوب الحكيم ..

السادسة :


إن هذه الطريق - أعني : طريق الإصلاح - ؛ محفوفٌ بالمخاطر ، مشوبٌ بالكدر ، لا يصفو لسالك ، ولا يروق لسائر ، كيف لا ؟ وهو طريق الأنبياء ، وسبيل الدعاة ، ومسلك المصلحين ، فلا بد من العقبات التي يلزمك أن تجمعها وتبني بها سلماً متيناً لنجاحك وتميزك ، ثم إنه لابد من أن نستوعب أن المشكلة ليست في الخطأ – كما سبق - بل في تصحيحه وتعديل مساره ، وهذه التجارب هي رصيد الإنسان الباقي ، فقد سئل حكيم عن التجربة فقال : [ إنها الاسم الذي يطلقه كل واحدٍ منا على أخطائه ] ..

*و أخيراً .. وليس آخراً : استعن بالواحد الأحد ، ولُذ بجنابه ، وتعلق بحباله ، فما خاب من رجاه ، ولا خسر من دعاه ، فلا مفر منه إلا إليه – جل جلاله - ..


أين يذهب الفقير إلا إلى الغني ؟ وأين يذهب الضعيف إلا إلى القوي ؟ وأين يذهب الذليل إلا إلى العزيز ؟ وأين يذهب الحقير إلا إلى الجليل ؟


فلا تخضع لغيره ، ولا تذل نفسك لسواه ، فما أحلى الخضوع لذاته ، وما أخنع الذل لغير مرضاته ..


شاد الملوك قصورهم وتمنعوا        من كل طالب حاجة أو راغبِ
غالوا بأبواب الحديد لعــزها       وتنوقوا في قبح وجه الطالـبِ
فاضرع إلى ملك الملوك ولا تكن     يا ذا الضراعة طالباً من طالبِ


فهو - جل وعز - الذي بيده القلوب يصرفها كيف يشاء ؛ فأرِ الله من نفسك كل خير وأبشر ثم أبشر بكل الخير .. فقد استجاب ربنا - تبارك وتعالى - من إبليس حين قال : { ربِ أنظرني إلى يوم يبعثون }فماذا كان الجواب ، من رب الأرباب ؟ قال جلٌ ذكره : { فإنك من المنظرين } ..! فليُتدبر هذا وبورك في الشباب الصالحين ..

 

ومضة أخيرة :


قال ابن القيم ( المدارج ) : يعرِض للسالك معاطبٌ ومهالك ، لا ينجيه منها إلا بصيرة العلم .

 
3621
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر