الأربعاء  
1441/01/19
هـ  
 الموافق:    2019/09/18م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
حكمة الله في تخليته بين العبد وذنبه
حكمة الله في تخليته بين العبد وذنبه

تكلم ابن القيم رحمه الله عن حكمة الله عز وجلّ في تخليته بين العبد وبين الذنب وإقداره عليه وتهيئة أسبابه له ، وأنه لو شاء لعصمه وحال بينه وبينه ، ولكن خلى بينه وبينه لحكم عظيمة لا يعلم مجموعها إلا الله سبحانه فمن تلك الحكم :

1- أنه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم ، فلمحبته للتوبة وفرحه بها قضى على عبده وخلى بينه وبين الذنب .

2- تعريف العبد عزة الله سبحانه في قضائه ونفوذ مشيئته وجريان حكمه .

3- تعريف العبد حاجته إلى حفظه وصيانته وأنه إن لم يحفظه ويصنه فهو هالك ولا بدّ ، والشياطين قد مدت أيديها إليه تمزقه كا ممزق .

4- إرادته من عبده تكميل مقام الذل والإنكسار ، فإنه متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وظن أنه وأنه.. فإذا ابتلاه بالذنب تصاغرت عنده نفسه وذلّ .

5- تعريفه بحقيقة نفسه وأنها الخطاءة الجاهلة ، وأن كل ما فيها من علم وعمل أو خير فمن الله منّ به عليه لا من نفسه .

6- تعريفه عبده سعة حلمه وكرمه في ستره عليه ، فإنه لو شاء لعاجله على الذنب ولهتكه بين عباده فلو يصف له معهم عيش .

7- إقامة الحجة على عبده ، فإن له عليه الحجة البالغة ، فإن عذبه فبعدله وببعض حقه عليه بل باليسير منه .

8- أن يستخرج منه محبته وشكره لربه إذا تاب ورجع إليه ، فإن الله يحبه ويوجب ل بهذه التوبة مزيد محبة وشكر ورضا لا يحصل بدون التوبة .

10- أنه يوجب له التيقظ والحذر من مصايد العدو ومكايده ، ويعرف من أين يدخل عليه ، وبماذا يحذر منه ، كالطبيب الذي ذاق المرض والدواء .

11- أنه يرفع عنه حجاب الدعوى ، ويفتح له باب الفاقة فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى ، ولا طريق أقرب من العبودية ، فإن دوام الفقر إلى الله مع التخليط خير من الصفاء مع العُجب .

12- أن تكون في القلب أمراض مزمنة لا يشعر بها فيطلب دواءها ، فيمنّ عليه اللطيف الخبير ، ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد ألم مرضه فيحتمي ويشرب الدواء النافع فتزول تلك الأمراض ، التي لم يكن يشعر بها ، ومن لم يشعر بهذه اللطيفة غلظ حجابه كم قيل : لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل.

13- أنه يذيقه ألم الحجاب والبعد بارتكاب الذنب ، ليُكمل له نعمته وفرحه وسروره ، إذا أقبل بقلبه إليه وجمعه عليه وأقامه في طاعته ، فيكون التذاذه في ذلك – بعد أن صدر منه ما صدر – بمنزلة التذاذ الظمآن بالماء العذب الزلال ، وإن لُطف الرب وبره وإحسانه ليبلغ بعبده أكثر من هذا ، فيا بؤس من أعرض عن معرفة ربه ومحبته .

14- أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان أو بعضها ، ولو لم يخلق فيه هذه الدواعي لم يكن إنساناً بل ملكاً ، فالذنب من موجبات البشرية ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون " . ولا يتم الابتلاء والاختبار إلا بذلك .

15- أن ينسيه رؤية طاعته ويشغله برؤية ذنبه فلا يزال نصب عينيه ، فإن الله إذا أراد بعبد خيراً سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه والإخبار بها من لسانه ، وشغله برؤية ذنبه ، فلايزال نصب عينيه حتى يدخل الجنة .

16- أنه يوجب الإمساك عن عيوب الناس والفكر فيها ، فإنه في شغل بعيبه ونفسه ، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس ، فالأول علامة السعادة والثاني علامة الشقاوة . ومن أراد المزيد من تلك الحكم العظيمة فيراجع طريق الهجرتين وباب السعادتين ، أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح .

 
1955
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر