الأربعاء  
1441/01/19
هـ  
 الموافق:    2019/09/18م    
 
مقالات
   
ثقافة التطوير
   
من ثمار الفكر
من ثمار الفكر

إنَّ القدرة على التفكير صفةٌ يشترك فيها كلُّ العُقَلاء مع تفاوُت درجاتها وفَوائدها، وتَدُور عجلة التفكير بمجرَّد أنْ يسمع المرء كلمةً أو يشاهد موقفًا، أو تتحرَّك بعض حواسِّه بِمُؤثِّرٍ خارجي أو داخلي.

إنَّ التفكير بِمَثابة وضْع البُذور في تربة الحقل وانتظار المطر الذي يشقُّ بعض البذور دُون غيرها؛ لينبت شجرة المعرفة التي تحمل ثمرة التذكُّر، ومن هذه الثمرة تُؤخَذ بُذور التفكُّر وتُحفَظ لزمن البذر القادم، إنَّ الفكرة تقودُ إلى الذِّكرى، والذكرى تقودُ إلى الفكرة.

وأطيب ثمار التذكُّر ما قرَّب العبد من الله - سبحانه وتعالى - وجعَلَه على درْب طاعته، والتفكُّر عملٌ يفعله الجميع، ولكن ثمرة التذكُّر لا يجنيها إلا أولئك النَّفر الذين وجَّهوا مَطايا عُقولهم إلى درْب الخير والفضيلة المؤدِّي إلى محبَّة الله ورضوانه؛ يقول الله - عز وجل -: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269].

ويحدثنا ابن قيِّم الجوزيَّة في مُصنَّفه "مدارج السالكين" عن التفكُّر والتذكُّر قائلاً: "والعارف لا يَزالُ يعود بتفكُّره على تذكُّره، وبتذكُّره على تفكُّره، حتى يفتَح قفل قلبه بإذن الفتَّاح العليم".

ومتى فُتِحَ قفلُ القلب نطَق بألوان المعرفة والحِكمة وتمكَّنت من شِغافه حَقائقُ الإيمان ولطائف الإحسان التي يُبصِر بها العبد مواقع الآيات ومواضع العِبَر.

إنَّ ثمرة التذكُّر لا تنضج ولا يطيبُ طعمُها لجانيها إلا بتحقيق ثلاثة أمور يذكُرها العلامة ابن القيِّم: الانتفاع بالعِظَةِ، والاستِبصار بالعِبرة، والظَّفَر بثمرة الفِكرة.

أمَّا الانتفاع بالعِظة فإنَّه يتحقَّق بثلاثة شُروط هي: شدَّة الحاجة والافتقار للعظة، وغض البصر عن عيب الواعظ الذي يحرم مَن اشتغل به الانتفاعَ بالموعظة، والشرط الثالث هو تذكُّر وعْد الله ووعيده الذي يملأ القلب خشيةً ويجعله أكثر قبولاً للموعظة.

إنَّ الأمر الثاني اللازم لنُضج ثمرة التفكُّر هو استِبصار العِبرة، وشُروطه: حياة العقل؛ وهي: صحَّة الإدراك، وسَلامة الفهم، والحرص على النَّفع.

وتحقيقه الشرط الثاني هو معرفة قدْر الوقت في الدارَيْن، فما الحياة الدُّنيا إلا أنفاس مَعدودة، والآخِرة هي دار البَقاء والخلد.

والشرط الثالث لاستبصار العِبرة هو السلامة من اتِّباع الهوى والنفس الأمَّارة بالسوء، فإنَّ نور الهداية في العقل تُطفِئة رياحُ الهوى.

إنَّ الأمر الثالث الذي تنضج ثمرة التذكُّر بتحقيقه مع الأمرَيْن السابقَيْن هو الظفر بثمرة الفكرة، وشُروطه: قصر الأمل الذي يُذكِّر بقصر الحياة وقُرب الرحيل، والشرط الثاني هو تذكُّر القُرآن وإطالة التأمُّل فيه، فإنها تُثبِّت قواعد الإيمان والإحسان وتطلع المتأمِّل على جمال معالم الخير ليُحبَّها فيسعى إليها، وتُبصِّره بقُبح معالم الشر وسُوء درب الشيطان؛ لينفر عنها ويهرب منها.

أمَّا الشرط الثالث المُعِين على الظفر بثمرة الفكرة، فهو تجنُّب كلِّ ما يُفسِد القلب من التعلُّق بغير الله والاستغراق المشغلفي المباح، ورُكوب بحر الأماني الكاذبة المفلسة.

إنَّ سِراج الفكر لا يُضِيء الدَّرب لسالكه إلا بوقود التذكرة، ولا تتشقَّق بُذور الفكر فتنبت شجرة المعرفة مُحمَّلة بثِمار التذكرة إلا إذا بلَّلَتْها محبَّةُ الله، فذاقَتْ لذَّة الأنس بذِكره، وهزَّها الشوق إلى لِقائه، فأقبَلتْ عليه وأعرضَتْ عمَّا سواه.

 
2421
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر