الأثنين  
1441/04/12
هـ  
 الموافق:    2019/12/09م    
 
ركن الأسرة
   
قصص وعبر
   
ريحانة الحي - قصة مؤثرة
ريحانة الحي - قصة مؤثرة

عاشت ردَحًا من الزمن في زهو وبهاء، ورونق وجمال، تشعر وهي تخالط قريناتها وبنات جنسها كأن الأرض تطرب لمشيتها، والسماء تسعد وهي تظلها، والكون كله يبتسم لها حبًّا وتقديرًا وإجلالاً.
صحبت أنواعًا وأشكالاً وصنوفًا من البشر، وفي كل مرة ترى القوة والتأثير بها؛ إذ ترى أنَّ هناك سرًّا كامنًا في قدرتها على جذب القلوب والتأثير على كل من حولها.

ما تكاد تنزل في مناسبة إلا وتجد استقبالاً باهرًا وحفاوة تلفت أنظار الحاضرات حبًّا وتقديرًا، وما إن تجلس حتى يُخَيِّم جوٌّ يسُوده الحب والإخاء والبهجة والسرور.

رأت تلك الفتاة أنَّ الله وهبها نعمة التأثير على الأخريات، فأرادت أن توسع دائرة أثرها في الخير والعطاء والبذل والتضحية، بدأت بالدعوة إلى الله في حيِّها ثم بلدتها، فكانت كأنَّما تصب الماء على الأكباد الظامئة علمًا وصلاحًا، وكأنَّما سحابة صيف كثيرة الغيث نزلت على أجادبِ أرضٍ، فاهتزت أشجارها، وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

زادت سعادتها ونمت بما تراه وتلمسه، فأرادت أن توسع الدائرة أكثر فأكثر، فتحت لها معرفات في شبكات التواصل الاجتماعي واختارت اسمًا يدل على فعلها وهدفها - ريحانة الحي - وبدأت في نشر الخير صباح مساء؛ منشورات - مقاطع فيديو - صور معبرة.

وما زالت ممسكة بهاتفها النقَّال مشغولة بعدد المتابعين والمتابعات، والمعجبين والمعجبات، والمعلقين والمعلقات، حتى كان ذلك شغلها الشاغل بالليل والنهار.

ومع مرور الأيام وانشغال ريحانتنا بجهازها، لم تعد تشارك أخواتها حضورًا إلى دور التحفيظ، وقليلاً قليلاً حتى اعتذرت عن إلقاء دروسها ومنبر تأثيرها الأول.

لاحظت عليها أمها انشغالها وشرود ذهنها في كثيرٍ من مواقف الحياة اليوميَّة، وبات المستوى الدراسي الصاعد يترجل عن القمة منحدرًا عبر أودية الضعف، لم تعد تلك الروح السارية في المجتمع أثرًا وحبًّا بنفس الحب والأثر، هجرت كثيرًا من زميلات البناء والأثر، وسرى الهجر حتى نال بنات حيِّها ورفيقات طريقها وصويحبات الطفولة والمرح.

لاحظ بعض الغيورات عليها تغيرًا في لباسها وهندامها وجليساتها، وكثرت وشوشة الريبة والسوء حولها، فقررت إحداهن زيارتها والحديث معها؛ علَّها تصلح ما يمكن إصلاحه، ذهبت إلى منزلها زائرة فلم تجدها، وأخبرت بذهابها للسوق؛ لشراء بعض أغراضها الخاصة، فقررت الزائرة العودة لها مرة أخرى، مضى أسبوع وأسبوعان، وشهر وشهران، وأختنا الغيورة تنتظر فرصة اللقاء بريحانة الحي.

وإذا بليالٍ مباركات دنت، ونسمات طيبات في الكون سرت، ولحظات الهدى والصلاح والفلاح لامس حلوها القلوب والعقول ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، فرأت أختنا الغيورة فرصة عظيمة أن تكون زيارتها في ليلة من لياليه المباركة، فالنفوس فيه مقبلة، والشياطين مؤصدة، وأبواب الجنة مفتوحة، والهداية تهتف لكل راغب.

لبست عباءتها، وأخذت ما يلزمها، ويممت وجهها نحو ريحانتنا، طرقت الباب، فتحت أمها الباب سلمت وهي مرتبكة: استأذنك قليلاً أُكلم لك ريحانة الحي، سمعت الزائرة وشوشة كلام بالداخل، لا تدري الوقت غير مناسب أم ماذا؟ خرجت أمها وهمست للزائرة: أن انصحيها وذكريها بالله ((فَوَالله لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))[1]، قليلاً وتخرج ريحانتنا، تستأذن أمها لتترك للناصحة جوًّا مناسبًا للحديث.

تحدثت الزائرة لريحانتنا: كيف أخبارك؟ وكيف نشاطك؟ وما لي أراك على غير ما أعهدك؟.
تجيب ريحانة الحي: لقد تركت عهدكِ البالي، ودخلت في عالم آخر، عالم تحفه السعادة، ويحيطه الأنس، وتغشاه البهجة والسرور.

ليتك أخيَّتي تعيشين معي لحظات من عمرك؛ لترَي أنَّ لجنة الله أثرًا في أرضه.

كأن لحظات عمرك طيف من الخيال لا تشعرين بمرور الوقت، وأنت تنسجين مستقبل حياتك، وترسمين لوحة خضراء وحديقة غناء ترفرف على أغصانها عصافير الحب، وتنساب بين جنباتها ينابيع العطف والحنان، قاطعتْها أختنا الزائرة: ريحانة، دعيني من هذا الهراء! وأرعيني سمعك وقلبك، أحدثك حديث الحبيب للحبيب.

أخيّتي، كنت متميزة فينا لكِ جهدك وأثركِ في الخير والصلاح، والتقوى والفلاح، فهل من عودة، وتوبة وأوبة؛ فقد أهلنا شهر كريم، وموسم عظيم؟.

قالت: إني لما تقولين فاهمة، وفيه راغبة، غير أن أسرار الخلوات، وكثرة الهفوات، والتزامي بمواثيق مع من خطف عليَّ قلبي، وطار مني بصوابي وعقلي، يحول بيني وبين ما تريدين، لله ما أروع تلك الأيام ونسماتها الباردة، ما أروع ذلك المصلى الذي كنا فيه نلتقي، وتلك الدُّور والحلق التي كنا نصدح بأصواتنا تالين ومرتلين!.

ألا أخيتي قد نكأت عليَّ جرحًا دفينًا، وحركت فيَّ ذكريات وذكريات، لو كان لي من الأمر شيء لعدت إلى لحظات البناء فيها، أمَا وقد حيل بيني وبينها، فذريني أحملك رسائل ثلاثًا انثريها على مسامع أهلها لعلهم بها ينتفعون، وعن طريق الغي والضلال يبتعدون، ولمثلي ينتبهون:

الأولى: إلى الجهات الدعوية والخيرية التي عرفت طاقتي، ولم توظفها وتستغرقها في البناء والتأثير، بل تركتها تعب في لجج التجارب والمحاولات غير المدروسة؛ حتى تحولت إلى ما تعلمين.

الثانية: أوجهها إليكِ أنتِ وأمثالك ممن نتوسم فيهن الخير والصلاح الساكتات على المنكر الغافلات عن أخواتهن وبناتهن، حتى إذا وقعن في فخ الهوى، واستحكم الذئاب من الأخذ بالعجز والناصية، جاءت تهرول فقط لتقيم الحجة على أختها، وما علمت أنها أقامتها على نفسها بسكوتها على خطوات الانحراف.

الثالثة: أرجو تأخير إعلانها ساعات محدودة حتى يصلك من أمري شأنٌ، ثم انثريها على مسمع أمي وأبي، فلا رحم الله ثرى طوى بين جنبيه أحدهما؛ فقد كان لتسيبهما أثر كبير في ضياعي وأفول نجمي.

قالت لها أختنا الزائرة: اتق الله ريحانتي، قالت: قولي ما شئت، وغدًا بين يدي الله نحتكم، ثم رنَّ هاتفها النقال، والتفتت بعباءتها وخرجت دون استئذان.

خرجت الزائرة خلفها، وإذا بها تمتطي سيارة غريبة لرجل غريب، لحظات وإذا الشرطة في شوارع الحي تجوب بحثًا عن ريحانة المفقودة.
  

 
2333
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر