الأثنين  
1438/05/24
هـ  
 الموافق:    2017/02/20م    
 
مقالات
   
محذورات شرعية
   
حتى تدوم النعم
حتى تدوم النعم

ينعم الإنسان في هذه الحياة بنِعَم تتْرى لا تُعدُّ ولا تُحصى، وتَتابَعُ بتتابُع الليل والنهار، ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34].

ما أعظم الإنسان حين يَستحضِر نِعَم الله؛ في بدنه، ودينه، ودنياه! يقول بعض السلف: "ذكْرُ النِّعمة يورث الحب لله عز وجل"، وذكرُ نِعَم الله عليك يَعني شُكرَها؛ كما يقول الحسن البصري.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6] الإنسان بطبعِه جَحودٌ، وهذا لا يَعني أن الإنسان يستحيل أن يغيِّر طبعه.
إنعام الله عليك ليس إكرامًا لك بقدر ما هو ابتلاء وامتحان؛ ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

الإنسان إذا ما ابتلاه الله وأنعم عليه ظنَّ هذا إكرامًا له، وإذا ابتلاه وقدَر عليه رزقه ظنَّ أنه إهانة له؛ ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16].

المرء لا يَخلو إما أن يكون مُذنبًا أو منعَمًا عليه، إصلاح الأول بالاستغفار، والآخر بالشُّكر.
كان بعضُ الأغنياء كثير الشُّكر، فطال عليه الأمد فبطَر وعصى، فما زالت نعمتُه، ولا تغيَّرت حالته، فقال: يا ربِّ، تبدَّلت طاعتي، وما تغيَّرت نعمتي!
فهتف به هاتف: يا هذا، لأيام الوصال عندنا حرمة حفظناها وضيَّعتها.

يقول العتابي:
الشُّكرُ يَفتح أبوابًا مغلَّقةً             لله فيها على مَن رامَه نِعَمُ
فبادِرِ الشُّكرَ واستغلِقْ وثائقَه       واستدفِعِ اللهَ ما تَجري به النِّقَمُ

يقول الطنطاوي: بالشُّكر تَدوم النِّعَم، وبالإخلاص تبقى الأمم، وبالمعاصي تَبيد وتَهلك.

إظهار النِّعَم والتحدُّث بها من حقوق هذه النِّعَم عليك، ومِن الإقرار للمُنعم عزَّ وجل؛ ولذا أمَرَ الله عز وجل نبيَّه فقال: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].

يقول ابن القيم: "إظهار النِّعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النِّعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفْرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنَّما سُمي الكافر كافرًا؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويَجحدها ولا يقرُّ بها، وقد وصفَهم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [النحل: 83] ، بل ربما نسُوا نعم الله تعالى التي أعطاهم إياها إلى أنفسهم وعلمهم وخبرتهم، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 49].

فالإنسان يُخبر بنعم الله عليه كأن يقول: نحن في خير ولله الحمد، وأنعم الله علينا بنعمة كذا وكذا، والإنسان لا يتحدَّث بالتقتير؛ كأنْ يقول: ليس عندنا مال، وهو كاذب، ولا يقول: أنا فقير، وهو غني؛ لأنَّ هذا مِن جُحود نِعَم الله عز وجلَّ، والله يُحبُّ أن يرى أثر هذه النِّعمة عليه، ولذا فالنبي صلى الله عليه وسلم - كما عند الترمذي وأحمد وابن ماجه وأبو داود - قال: ((لا يدخل الجنَّة مَن كان في قلبه مثقالُ ذَرة مِن كبْر))، كأنه يقول: الذي يَستطيل بالنِّعَم على الناس، ويَزدريهم، ويُريهم أنه أعزُّ منهم - بلباسه الجديد، وبيته الكبير، وسيارته الباهظة - لا يدخل الجنة.

يقول النعمان بن بشير: "إن للشيطان مَصاليَ وفخوخًا، وإن من مَصاليه وفخوخه البطشَ بنِعَم الله، والكِبْر على عباد الله، والفخْر بعطية الله في غير ذات الله".

في تتمَّة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: قال رجل: إنَّ الرجل يُحبُّ أن يكون ثوبه حسَنًا ونعلُه حسَنة! قال: ((إنَّ الله جميل يُحبُّ الجَمال، الكِبْر بطر الحق، وغمط الناس)).

الله يُحبُّ مِن الثياب أجملها، ومِن السيارت أحسنَها، ومن المأكولات أطيبها، لكن دون تحقيرٍ للناس وإنكارٍ للحقِّ؛ كأن يَنسب الفضل في ذلك لنفسه دون الله عز وجلَّ، وأيضًا دون إسراف؛ ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]، والله يُحب أن يرى أثر نعمتِه عليك؛ ففي الحديث عند أحمد قال: ((مَن أنعَمَ الله عز وجلَّ عليه نِعمة فإن الله عزَّ وجل يُحبُّ أن يرى أثر نعمته على خلقِه)).

الناس اليوم لم تفهم هذه النصوص على الوجه الذي يُراد منها، وعلى ما فهمه سلف هذه الأمة، وهذا من الضلال؛ أن تُفهم النصوص على غير مُرادها، وتُؤوَّل على غير حقيقتها، بل لا يُأبَه بها ولا يُلتفَت إليها، وإن من الواجب على كل مسلم الرجوعَ لهَدْي الكتاب والسنَّة، وليكن على يقين وثقةٍ أنه لا عزَّ لأُمتنا ولا نصر لها ولا كرامة لها إلا بالعودة إلى دستورها.

صار الإسراف في النِّعَم مِن باب الكرم، وأصبح همُّ الناس التنافس والمغالاة فيما بينهم:
• غسل اليد بدهْن العود.
• سَكْب السمن على المفطحات.
• تبهير الدلة بالفلوس.
• نثر الهيل في المجلس.
• استخدام الدراهم بدلًا عن البيز لمسك الدلة.

مما لا شكَّ فيه أن كُفْرانَ النِّعمة طريقُ زوالها، وشُكرانَها طريقُ دوامها؛ ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ مِن زوال النعمة في دعائه: ((اللهمَّ إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجأة نقمتِك، وجميع سخطك)).

أخشى أن يُلبسنا الله لباس الجوع والخوف؛ إزاء ما قام به هؤلاء الجهَلة الخائبون؛ فمِن أسباب الهلاك كثرةُ المعاصي والشرور، وأوشك أن يَعمَّنا الله بعقابه، ولذا سألت أمُّ سلمة رضي الله عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم؛ إذا كَثُر الخبَث))! نسأل الله العافية.

فإلى كل مَن له كلمة مسموعة أو رسالة مقبولة: أنكِرُوا ما استطعتم، وقِفُوا في وجه العابثين الجاحِدين، وإلى ولاة أمرِنا حفظهم الله أَدعوهم أن يقفوا بحزم وعزم وحسْمٍ في وجوه المفسدين، وإلى أصحاب العقول النيِّرة والراقية أقول: لنقف صفًّا واحدًا، ويدًا واحدةً، وسدًّا منيعًا في وجوه هؤلاء الجهَلة الفاسِدين؛ حتى تدوم النِّعم

 
579
 
 
     
 
   تابعـــونــا علــى:
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 1438هـ