الجمعة  
1440/09/20
هـ  
 الموافق:    2019/05/24م    
 
مقالات
   
تزكية النفوس
   
التفكر وزيادة الإيمان
التفكر وزيادة الإيمان

زيادة الإيمان ونقصانه :
دل قوله - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن القوي" في مقابلة " المؤمن الضعيف " فدل على أن الإيمان يزيد وينقص ، وهذا المجمع عليه عند أهل السنة والجماعة، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى عصرنا هذا ، وأقوالهم منثورة في الآفاق .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - : " وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص " .

التفكر من أعظم أسباب زيادة الإيمان: وهو أعظم فوائد التفكر حيث يستدل به المرء على ما لله من صفات الكمال والجلال ، ويعلم أنه لا يخلق أحد كخلق الله ولا يدبر كتدبيره سبحانه وتعالى .

قال ابن القيم - رحمه الله - : " التفكر يوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه عليه العمل المجرد ، فإن التفكر يوجب له من انكشاف حقائق الأمور وظهورها له ، وتميز مراتبها في الخير والشر ومعرفة مفضولها وفاضلها وأقبحها من قبيحها ومعرفة أسبابها الموصلة إليها.

وما يقاوم تلك الأسباب ويدفع موجبها والتمييز بين ما ينبغي السعي في تحصيله وبين ما ينبغي السعي في دفع أسبابه " .

قال أهل العلم رحمهم الله أسباب زيادة الإيمان أربعة :

1 - معرفة الله بأسمائه وصفاته .

2 - النظر في آيات الله الكونية والشرعية ( التفكر ) .

3 - كثرة الطاعات وإحسانها .

4 - ترك المعاصي تقربا إلى الله - عز وجل .

التفكر نور يدخله المرء إلى قلبه . قال سفيان بن عيينة - رحمه الله - : " الفكرة نور تدخله إلى قلبك ، كما أنه يظهر على المرء في هيئته وسكونه ووقاره " .

وقال وهب بن منبه - رحمه الله - : " المؤمن إذا تفكر عَلَتْه السكينة " .

وأعظم ما يتفكر به المرء وينتفع به:

1- القرآن العظيم ، ليجني من ذلك علوماً عديدة منها :

- علم التوحيد وما لله من صفات الكمال؛ فإذا مرت عليه الآيات في توحيده وأسمائه وصفاته أقبل عليها ، فإذا فهمها وفهم المراد منها أثبتها لله على وجه لا يماثله فيه أحد ، وعرف أنه ليس له مثيل في ذاته ولا في صفاته ، وامتلأ قلبه من معرفة ربه وحبه بحسب العلم بكمال الله وعظمته ، فإن القلوب مجبولة على محبة الكمال فكيف بمن له الكمال المطلق ؟.

- معرفة صفات الرسل وأحوالهم وما جرى لهم وعليهم ، وما كانوا عليه من الأوصاف الراقية والأخلاق الكريمة؛ ومن ذلك علم أهل السعادة والخير ، وأهل الشقاء والشر ، والفرقان بين هؤلاء وهؤلاء .

- علم الجزاء في الدنيا والبرزخ والآخرة على أعمال الخير وأعمال الشر ، وفي ذلك مقاصد جليلة من الإيمان بكمال عدل الله وسعة فضله والإيمان باليوم الآخر .

- معرفة النهي والأمر ومعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن العباد محتاجون إلى معرفة ما أمر الله به وما نهوا عنه والعمل بذلك ، والعلم سابق للعمل .

وطريق ذلك : إذا مر على القارئ نص فيه أمر بشيء أو نهى عنه وفهم ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه ، حاسب نفسه ، فإن كان قائما بالأمر متجنبا للنهي فليحمد الله ويسأله الثبات والزيادة ، وإن كان غير ذلك فليجاهد نفسه على ذلك، وبذلك يزداد إيمان العبد ويقينه ..

إن قراءة القرآن بالتفكر أصل صلاح القلب؛ كانت عادة السلف أن يقوم أحدهم بالآية يرددها حتى الصباح والنبي - صلى الله عليه وسلم - قام بآية يرددها إلى أن أصبح ، وهي قوله تعالى : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).

فما أجمل أن ترى كتاب ربك صوراً في حياتك اليومية واقعاً تشاهده فإنه سيبعث المحبة والخضوع لله فيورث لك السعادة والعز والرفعة والمكانة والوجاهة في الدنيا والآخرة والقرب من الله جل جلاله.

وليكون المرء قوي الإيمان مطبقاً لأوامر الله خائفا من عقابه ولا يكون ذلك إلا بتلاوة كتاب الله ودراسته وتدبر معانيه وأحكامه وبدارسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتفقه فيها والتفكر في ثمارها وتطبيقها اقتداء ومحبة وسبقا للقرب منه صلى الله عليه وسلم.

ومعرفة تفاصيل الشريعة منها والعمل بمقتضى ذلك والتزامه عقيدة وفعلاً وقولاً ومراقبة الله وإشعار القلب عظمته وتذكر اليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب وشدة وأهوال وبمخالطة من يعرف من الصالحين ومجانبة أهل الشر والفساد .

2- التفكر في المخلوقات فإن العبد يستدل به على ما لله من صفات الكمال والعظمة والحكم البالغة ، وما له من النعم الواسعة والأيادي المتكاثرة ، وعلى صدق ما أخبر به من المعاد والجنة والنار ، وعلى صدق رسله وحقيقة ما جاءوا به من عنده .

وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات وزاد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة ، علم بذلك أنها خلقت للحق وبالحق ، وأنها صحائف آيات وكتب دلالات على ما أخبر الله به عن نفسه ووحدانيته ، وما أخبرت به الرسل عن اليوم الآخر ، وأنها مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها.

فيعلم أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون وإليه صائرون ، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات .

قال ابن العربي : " أمر الله تعالى بالنظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته في أعداد كثيرة من آي القرآن ، أراد بذلك زيادة في اليقين وقوة في الإيمان ، وتثبيتا للقلوب على التوحيد. قيل لأبي الدرداء : أفترى الفكر عملاً من الأعمال؟ قال : نعم. هو اليقين " .

فالتفكر طريق العبد إلى اليقين ، قال بعض السلف : مازال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم حتى أيقنت قلوبهم بربهم .
  

 
2018
 
 
 
  
 
   
 

جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر